من سيئ إلي أسوأ تتحرك أوضاع حرية الرأي والتعبير في مصر ، نحو مزيد من الحصار والإدانة والحصار والمحاكمات ، ولم يعد صحفي مصري – مهما بلغت قيمته في الوسط الصحفي – بمنأى عن الوقوف أمام القضاء والتعرض للحبس ، جزاءا عن كشف حقائق تخفي عن الرأي العام ، جزاءا عن ممارسته المهنة التي نصت كل التشريعات الدولية علي قدسيتها واحترامها .
منذ أيام قليلة ، وحسبما ذكرت مدونة البديل ، و جريدة الشروق المصرية ، وشبكة الصحفيين العرب حكمت محكمة جنح الدقي غيابيا بالحبس سنة مع النفاذ على رجل الأعمال محمد أحمد عمر "صاحب شركة الهيثم للمقاولات، والكاتب الصحفي الكبير سلامة أحمد سلامة رئيس مجلس تحرير صحيفة الشروق، وصابر مشهور رئيس قسم الحوادث بالصحيفة لاتهام الأول بالبلاغ الكاذب والثاني والثالث بالسب والقذف وكفالة 200 جنيه لوقف تنفيذ الحكم. وجاء في أوراق القضية أن الرقابة الإدارية ألقت القبض على رجل الأعمال محمد أحمد عمر متلبسا بالرشوة لبعض مسئولي وزارة الإسكان، وباشرت نيابة أمن الدولة التحقيق معه، واعترف خلال التحقيقات بتقديم رشوة قدرها 250 ألف جنيه للمتهم على النجار مدير قطاع المرافق بمكتب رجل الأعمال حسين صبور. وردا علي ما نشرته الشروق أقام عادل علي النجار و17 آخرين قضية ضد سلامة على إثر الخبر الذي نشرته صحيفة "الشروق" بتاريخ 31/3/2009، بشأن تلقي المدعين مدنياً رشاوى مقدرة بـ10 ملايين جنيه عن تنفيذ وحدات المشروع القومي للإسكان بمدينة 6 أكتوبر، الأمر الذي اعتبره المذكورين سباً وقذفاً في حقهم ، وعليه أصدرت المحكمة حكمها السابق .والجدير بالذكر أن المدعي بالحق المدني متهم في القضية رقم 61 لسنة 2009 جنايات بتهمة تلقي الرشاوى ومؤجلة لجلسة 3/11/2009 للإطلاع .
أثار الموضوع جدلا حادا في الأوساط الصحفية المصرية وأوساط المهمومين بحرية الرأي والتعبير ، وأكد صحفيون مصريون بارزون للشروق أن شبح حبس الصحفيين لا يزال مفتوحا رغم نشرهم أخبارا صحيحة، حيث إن القانون يحوى العديد من المواد التي تجيز حبس الصحفي، ومنها حبسه بتهمة التأثير على سير التحقيق، وهى الواقعة التي صدر الحكم بشأنها على صحفيي «الشروق»، حيث نشرت الصحيفة خبرا عن اعتزام نيابة أمن الدولة إحالة المتهمين لمحكمة الجنايات، وهو ما حدث فعلا، فاعتبر أحد المتهمين أن النشر كان له تأثير على سير التحقيقات. وأوضح رئيس التحرير التنفيذي لجريدة الدستور المصرية أن مصر من بين 13 دولة في المنطقة ما زالت تشريعاتها تصر على حبس الصحفيين، واستمرار العمل بالمواد التي تحبس الصحفيين في قانون العقوبات هو دليل على وجود من يتربص بحرية الصحافة، فنحن مع محاسبة الصحفي إذا أخطأ وتغليظ العقوبات المالية ضده ولكن ضد حبسه. وأكد أن قانون العقوبات بوضعه الحالي به مواد تعاقب حتى على نشر الأخبار الصحيحة، وفى ظل ضبابية المعلومات التي نعيشها نجد أن تلك المواد تقوم بدور كبير في تقديم أي صحفي للمحاكمة وحبسه حتى إن كان ما نشره صحيحا، وتساءل عن سبب تأخير تنفيذ وعد الرئيس منذ عام 2004 بإلغاء حبس الصحفيين. وقال رئيس تحرير مجلة الأهرام الاقتصادي، إن قانون العقوبات عبارة عن مخزن للأسلحة المضادة لحرية الصحافة بما لا يتواكب مع العصر وما نعترف من حرية فى مصر حاليا، والمشكلة سببها أن قانون العقوبات موجود به مواد يعود بعضها إلى عام 1882 مع دخول الإنجليز مصر وإعلان الحماية والأحكام العرفية وكذلك وضعت مواد عام 1914 مع بداية الحرب العالمية الأولى واعتمدت تلك المواد على تراث الليبرالية البريطانية وأعقبتها ثورة يوليو وأضافت مواد عام 1954 وعام 1956 وقصدت تلك المواد وقت وضعها تكميم الصحافة ومنع نشر الحقائق، وبعد ذلك أضيفت أسوأ المواد التي تعاقب الصحفيين.
وفي هذا الصدد ، أكدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في بيان لها أن صدور هذا الحكم،هو تأكيد لانتهاك الدولة لمبدأ الحق في حرية الرأي والتعبير وتداول المعلومات والحق في المعرفة، مطالبة بوقف مثل هذه الأحكام والتي كان الرئيس مبارك قد وعد بإلغائها في فبراير 2004 حماية لحرية الصحافة والصحفيين وإعمالاً للدستور والمواثيق الدولية التي كفلت الحق في حرية الرأي والتعبير، مع الاكتفاء بعقوبات الغرامة مع وضع حد أقصى لها ، لاسيما وأن للمتضرر من النشر حق الرد بذات الجريدة والإدعاء مدنياً لطلب التعويض المناسب أمام المحكمة المدنية ، إذا ثبت مخالفة الصحفي للقانون . وعليه، تناشد المنظمة المصرية الحكومة ونقابة الصحفيين وكافة قوى المجتمع الحية العمل سريعاً على إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر التي كان الرئيس مبارك قد وعد بإلغائها في فبراير 2004، والسعي لمدنية تلك العقوبات بما يتسق ونصوص المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مع التأكيد على أهمية إدخال تعديلات تشريعية على المواد التي تعاقب الصحفيين بالحبس في سائر القوانين المتصلة بالتعبير والنشر والطباعة .
ومن جانبه صرح ملتقي الحوار للتنمية وحقوق الإنسان أنه على الرغم من كون الحكم قابل للطعن عليه بطريق المعارضة إلا أن اللافت أن طريق اللجوء إلى القضاء بات هو أولى الخطوات لتصحيح الأخبار والرد عليها وهو ما يؤكد غياب قيم التسامح تجاه ما تنشره الصحف لاسيما وان وقائع التحقيق تناولت شأنا عاما وقضيه تهم قطاع عريض من المواطنين وما قام به الصحفي لم يتجاوز أبدا دور الصحافة المنوط بها طرح القضايا والمشكلات سعيا لحلها من قبل المسئولين . وطالب الملتقى نقابة الصحفيين بسرعة التدخل ويدعو مؤسسات المجتمع المدني للتضامن مع الصحفيين حيث باتت حرية الصحافة في خطر ومهده بمخاطر قانونية وقضائية . وصرح رئيس الملتقى بأنه يتوقع مزيدا من الأحكام القضائية بحق الصحفيين في الفترة القادمة استغلالا لما يدبر للصحافة المصرية وإظهارها بمظهر التجاوز والانفلات في النشر وخرق الحياة الخاصة للمواطنين وهو الأمر الذي يجب التصدي له ويضع على عاتق نقابة الصحفيين عبء ومسئولية الدفاع عن دور الصحافة باعتبارها الوسيط النزيه والمحايد للتعبير عن هموم ومشكلات المواطنين والمجتمع .