سوء الفهم وفهم السوء والنواب الشحاذون في البحرين!

سالم آل تويّه –في 21 يوليو 2009م

    

    في الفترة الأخيرة انتشر مرض أنفلونزا الخنازير وغزا أرجاء المعمورة.  المدون البحريني محمد العثمان يستعير استشراء المرض ويستوحي منه حكاية أخرى يصوغها بطريقة تهكمية قالباً اسم المرض إلى "أنفلونزا الحمير"! مسقطاً رأيه على الأوضاع السياسية والاجتماعية المتردية.

    وكما لمرض أنفلونزا الخنازير أعراض يُعرف المصاب به من خلالها كذلك لأنفلونزا الحمير أعراض يُجمِلها المدون محمد العثمان في الأسطر الآتية:  "أعراض أنفلونزا الحمير تتمثل في أن يصدر المصاب بهذا المرض قرارات بـ"حمورية" متناهية. فالسارق يصبح شريفا، والشريف ينقلب إلى لص، واللص يتبوأ مكاناً يلقي به المواعظ على الناس! والجمبازي العيّار يتحول في أذهان الناس إلى سياسي ماهر! والأسود يعبّر عنه بالأبيض، والتفاح يقال له برتقال والموز خيار... وهكذا".

    وهكذا تنقلب جميع الحقائق إلى نقائضها.  ولا يخفى هنا التهكم والسخرية وتشابه الأحوال في العالم العربي الذي يمكن القول إنه هو الآخر مصاب بداء أنفلونزا الحمير، إلا أن محمد العثمان يوهم القارئ بأنه حيادي وأن تدخلاته لا تتعدَّى وصف الحقائق الواقعة على أرض الواقع، إذ إنه في تدوينته هذه يدخل القارئ كليّاً في عالم يعاني فعلاً من مرض خطير فتاك يتغلغل في أدمغة البشر ويحولهم حميراً لا تنهق ولكنها تتصف بسمات الحمير، جميع البشر إلا والي البلاد؛ الوالي هو الشخص الوحيد الذي لم يصبه مرض أنفلونزا الحمير!  والوالي رمز الحاكم الصغير المحفوف بالحراس والحَجَبَة يُعاني الأمرَّين بالرغم من عدم إصابته بالمرض، وهذا ما يفصح به لحكيم زار البلاد:  "المفاجأة كانت حينما وقف الحكيم أمام الوالي يسأل عن أحوال البلاد والعباد مع هذا المرض الفتاك. فقال الحاكم: كنا نباشر أعمالنا الجليلة على هذه الناحية من البسيطة بصورة طبيعية، ونظراً لأنني كحاكم كنت مصان الهيبة، وتحوطني العناية الإلهية من كل جانب، وكنت أتناول الطعام الصحي في وجباتي، وكان الحرس يمنعون أحداً من الاقتراب مني، لم ينتقل لي المرض. إلا أنه لسوء الحظ، فقد أصاب وباء أنفلونزا الحمير الجميع! فأي عقل أحتكم إليه؟! فإن أنا قلت: هذا أسود قال الناس: إنه أبيض! وهكذا مع جميع الأشياء".

    وفي النهاية يتخفَّف العثمان بعض الشيء من شدة التهكم ويكشف مقصده:  "هل من مسئولية الوالي إنقاذ الناس من هذا الوباء؟! الوطنيون الأصحاء، وحدهم لديهم الحل. فمتى يتقدم هؤلاء الصفوف وأنفلونزا الحمير ضاربة أطنابها عقول بعض المسئولين؟!".

    يوم الجمعة الماضي الموافق 17 يوليو الجاري نشر المدون محمد العثمان ثلاث تدوينات دفعة واحدة، في اثنتين منها سلط الضوء على الأحداث الحية والمتكررة في بلاده البحرين عدا تدوينته عن وفاة المغني العالمي مايكل جاكسون.

    "المدح والردح" تدوينة تخوض في شأن الصحافة، وبالرغم من قصرها (12 سطراً) حيث إنه نشرها أساساً ضمن عمود يكتبه في صحيفة "البلاد" البحرينية، بالرغم من ذلك يكثف العثمان مغزاه ويفصح عنه بوضوح:  "الكتاب المتمصلحون من وراء المدح والردح، مهما بلغت سنوات خبرتهم الصحافية، فإنهم مكشوفون أمام الجمهور. الوزير أو المسؤول الممدوح يعرف تملقهم السمج وطلباتهم النزقة أو المضمرة، وهؤلاء آفة على الصحافة، حيث يقدمون الصحافة على أنها مهنة ارتزاق غير شريف".  ويخلص فيها إلى أن:  "هذا الردح الصحافي يمارسه صحافيون لديهم خبرات عريقة في مجال عملهم واسترزقوا كثيراً من وظيفتهم في بلاط صاحبة الجلالة، إلا أن رصيدهم المهني والأخلاقي صفر أصفر! فماذا يستفيد المرء من تضخم رصيده البنكي حد التخمة، ورصيده الأخلاقي خالي الوفاض من مبادئ وقيم رفيعة؟!".

    "الدنيا أرزاق" تدوينة محمد العثمان الأخيرة المكثفة كبقية تدويناته يستذكر فيها –في أثناء تجواله وأحد زملائه الكتاب- فقيراً يبسط بضاعته الفقيرة في سوق المنامة القديم، وليست بضاعة الفقير إلا "مسابيح وخواتم" "وأحجار قطع ليست كريمة؛ ابتغاء حياة كريمة!".

    بعد كتابته عن الفقير صاحب الكرامة يكتب العثمان عن الشحاذين، ويضعنا في قلب ما يريد الخلوص إليه، فالبتأكيد شتان بين العيش بكرامة بالرغم من شدة الفقر وبين التسوُّل، خاصة إن كان من النوع الجامع ليس للمال فقط بل للطائفية أيضاً!  يكمل تجواله هو وزميله الكاتب:  " وفيما نحن نقطع الأزقة، زقاقاً بعد زقاق، كان هناك بعض الشحاذين، الذين يدفعون أحدهم عن منافستهم في الشحاذة في منطقة عملهم! ويوجه بعضهم للآخر كافة السباب والشتائم السوقية، الطائفي منها والوطني... بعضهم تفوه بها من باب التحريض من خلف جدر، والبعض الآخر عيني عينك! كل منهم ينافس الآخر على زعامة الزقاق! ولكثرة ما يعج به الزقاق من جلبة يحدثونها يصح أن يطلق عليه زقاق الشحاذين!".

    لكن ما يود العثمان الكتابة عنه في هذه التدوينة ليس الفقير الكريم ولا الشحاذين المتنافسين! فهؤلاء مجرد توطئة وأمثلة لغرض كتابته الرئيس:  "تذكرت هذه الحادثة، حينما شهدت جولات الهجوم غير المسبوق من قبل النواب ضد كل من يفكر أو ينوي أو يقرر الترشح في دوائر تمثيلهم النيابي. حيث هؤلاء النواب لا ينظرون إلى التمثيل في المجلس النيابي كخدمة للناس، لا. ولا ينظرون إلى المنافسة في الانتخابات كتعبير عن صراع الأفكار في المجتمع. لا أبداً البتة لا يفكرون كذلك؛ ومن يقرر الترشح في الدوائر التي يمثلونها يعتبرونه منافساً لهم في رزقهم... والدنيا أرزاق!".

    ولأن العثمان ينقلنا من حكاية إلى حكاية ثانية يلخص لنا في نهاية تدوينته حكاية ثالثة هي حكاية النواب دون شك:  "عطني إذنك... يوجد فرق كبير بين سوء الفهم وفهم السوء. سوء الفهم هو التباس يحدث للقارئ من كلمة أو نص معين. ومن الممكن إصلاح الخلل بالشرح والتحليل المنطقي. أما فهم السوء فإنه أمر مختلف تماماً عن ذلك. فلا يجدي معه ألف تحليل أو مليون كلمة شارحة للنص أو الموقف حيث النية مبيتة للتسقيط!".