هل يجب مواجهة الماضي ؟

كتب : عبدالعظيم محمد أحمد

 

منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل في السودان 2005 بدأ نشطاء مدونون سودانيون الدعوة للمحاسبة علي جرائم الماضي والدعوة للعدالة الانتقالية في عملية السلام ومن وقت لاخر ترتفع الاصوات مطالبة بفتح ملفات جرائم سلطة فرضت جبروتها بقوة السلاح .. فمن ينُكر أن السودان منذ 1989 قد شهد تنامي ممنهج ومتسارع ووحشي في انتهاكات حقوق الانسان ؟؟ .. ولكن بالرغم عن كل ذلك ظلت ملفات هذه الانتهاكات ولاتزال مهملة ومنسية ويتم تجاهلها في الخطاب السياسي والحقوقي السائد في السودان .. فحكومة السودان مثلها مثل حكومات عالمنا المغلوب علي امره بل هي اكثر من يجيد ادب ( الصهينة ) وكلمة ( صهينة ) هنا مصدرها اللغوي ليس من (صهيونية ) كما يبدو انما الكلمة تعني في العامية السودانية (الا يعيرك الاخر انتباهه ابداً - اي( بتجاهلك : يصهين منك)، فالمؤتمر الوطني الحاكم وشريكه في الحكم هما في حالة صهينة محيرة عن موضوع المصالحة الوطنية وملفات جرائم نظام الحكم قبل الفترة الانتقالية ، وبلاشك أن التحول الديمقراطي في السودان لا يمكن أن يقوم على أساس أكااذيب مفروضة وأن وجود جهودا مستمرة ومنظمة ومتسقة لمواجهة ماضي انتهاكات حقوق الاننسان يمكن أن تؤدي إلى تحول ديمقراطي أكثر قوة ، يتم ذلك بشكل كبير من خلال سيادة مبدأ المحاسبة ومن خلال بناء ونشر ثقافة ديمقراطية كما أن هناك واجبا أخلاقيا في التذكر، ولقبول الضحايا والاعتراف بهم كضحايا ، فنسيان الضحايا وتجاهلهم يعتبر شكلا من أشكال إعادة الإحساس بالظلم والاهانه كما انه من المستحيل تجاهل الماضي أو نسيانه – فهو دائما سيصعد على السطح – لذلك من الأفضل إظهاره بطريقة بناءة وشافية ومنصفة ، و ما من شك أن وقف الحرب - اي حرب - والتوجه نحو الحل السلمي هو عملية تدعو للارتياح والتفاؤل وخطوة صحيحة لوقف الاقتتال والآثار المدمرة ومع ذلك فان حقيقة الواقع السياسي بالبلاد و انفراد المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بحسم قضايا الحكم والثروة في ظل التسوية الثنائية بين أقوياء الصراع السياسي المسلح بجنوب السودان تثير الهموم حول مدى ارتباط مسار السلام بالعدالة ففي التجربة التاريخية ببلادنا كما في الوقت الراهن ظلت عقلية التجزئة هي التي تحكم مسارات الممارسة السياسية وتؤكد الكثير من الشواهد على ان القوى السياسية فى السودان لم تبلور محتوى حقوقي وعدلي متماسك في ممارستها ومواقفها التاريخية مما اسهم بدوره بشكل أو بآخر في استمرار الدوران في الحلقة الشريرة ونود هنا ان نثير مدى اهمية العدالة الانتقالية فى عملية التحول الديمقراطى و مدي أهمية ارتباط عملية السلام بالعدالة ، ونتساءل هل التسوية و(المصالحة ) تعني بالضرورة تجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة أم هي رغبة في وقف القتال والانتقال بالصراع إلى ساحة مؤسسية في الحياة المدنية ؟ ؟ وهل اطراف التسوية واتفاقيات الحل السياسي السلمي المُتفاوض عليه هي مصالحة وطي لصفحات تلك التكلفة الباهظة لمشروع الدولة الدينية للجبهة الإسلامية دون حساب ودون معرفة الحقائق ،، والتعبير عن الغضب أو الذنب، روح القصاص المتوازن أو الصفح ؟ وننطلق فى تساؤلاتنا هنا من قناعتنا بأن ليس هناك من ينكر أن السنوات الماضية من عهد حكومة الإنقاذ ملئيه بالأحداث الجديرة بعدم تجاوزها دون الوقوف عندها ودراستها ومعالجتها من منظور حقوق الانسان وحق الضحايا في رد المظالم وكشف الحقائق ، وعلي الرغم من أن تحليل خلفية ما حدث قد يتداخل فى مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد إلا أن معالجة تداعياته ونتائجه الراهنة مسألة في غاية الاهمية وهي فى حاجة لحركة حقوق وعدالة شعبية المطالب و المنابر مع بذل الجهد فى مختلف الجبهات ، ومازال من المتوقع من حركة المدونين السودانيين ومنظمات حقوق الانسان والقانون والنشطاء المستقلين فى بلادنا والذين تراكم لديهم الكثير من الخبرات خلال الفترات السابقة المساهمة فى نهوض عميق واداء دورهم بصورة أكثر فاعلية وذلك عبر اقتراح وتفعيل اليات كشف الحقائق و العدالة والمصالحة ، من منطلق ان من حق الشعب معرفة ما الذي حدث ومن سيسامح من ؟