تشهد اليمن في الأسبوعين الأخيرين أزمة سياسية هي الأخطر منذ إنتهاء حرب اليمن بين الشمال والجنوب في 1994 والتي إنتهت بهزيمة الجنوب وسيطرة الشمال علي مقاليد علي خلفية تنفيذ وتطبيق ما سمى وقتها " الوحدة اليمنية " . ومن هذه النقطة تبدأ جذور الأزمة الجارية حاليا ، فمنذ نهاية هذه الحرب والجنوب يعاني الإهمال والعقاب لحربه ضد الشمال ، يعاني الإنتهاك المستمر للحقوق ، سيطرة أبناء الشمال علي المناصب الهامة وفرص العمل ، ويعاني أيضا التدهور المتتابع لمستويات المعيشة في الجنوب ، وهو الأمر الذي أجج غضب أهالي الجنوب وقواهم السياسية الذين بدأوا التحرك لفصم عري تلك الوحدة التي يتحملون كلفتها وحدهم . وتأسس بالجنوب ماسمي بالحراك الجنوبي وتمثل تجمع للقوي التي تقود منذ سنوات نضال الجنوب اليمني ضد التجاهل ، وما أطلقت عليه قوي اللقاء المشترك " تجمع قوي المعارضة " غطرسة القوة .
وعبر سنوات طويلة من التجاهل ناضل أهل الجنوب ضدالوحدة ورفضوها ، وقد صرح حسن ناعوم أحد أهم قيادات الجنوب في الفترة الحالية إنهم في "الحراك الجنوبي" لا يعترفون بالوحدة اليمنية، واعتبر في حوار مع الجزيرة نت أن جنوب اليمن يرزح تحت ما أسماه "الاحتلال" من قبل نظام الجمهورية العربية اليمنية ، وذكر أنهم يناضلون نضالا سلميا لاستعادة "دولة الجنوب"، ولكنه لم يستبعد اللجوء إلى السلاح إذا فرض عليهم ذلك، ودعا كل أبناء الجنوب في الداخل والخارج إلى "تبني قضية وطنهم ونضال شعبهم . ".وأشار إلى أن الأمين العام الأسبق للحزب الاشتراكي علي سالم البيض (نائب رئيس دولة الوحدة) كان قد أعلن فك الارتباط مع الوحدة أثناء حرب صيف عام 1994 -التي اندلعت بين شركاء السلطة والوحدة- وأنهم في الحراك الجنوبي أعطوا هذا الاتجاه بعدا جماهيريا وشعبيا على مستوى كل محافظات الجنوب.
وقد تدهورت الأوضاع بشدة منذ 27/4 الماضي حينما هاجمت قوات الجيش مديرية درفان للقضاء علي مظاهر النشاط المعارض المطالب بالإنفصال ، ويعود السبب للبدء بدرفان لتصدرها كما تقول " مدونة أمين اليافعي " المشهد في يناير 2007م عندما انطلقت من جمعيتها أول خطوة عملية نحو التصالح والتسامح الجنوبي، هذه الدعوة التي وجدت استجابة سريعة وعميقة في كل المدن والقرى بصورة غاية في الإذهال، قالبة معها كل التابوهات المعدة سلفاً، أو كما صورها المناضل الجنوبي "أحمد بن فريد" بعبارة مُلهِمة : "سيغدو يوم 13 يناير من كل عام , مناسبة جنوبية خاصة يحتفل بها أبناء الجنوب جميعا لتكريس قيم (التسامح والتصالح) فيما بينهم .. وهي الإرادة والحكمة الجنوبية الخالصة التي جعلت دلائل ذلك اليوم الأسود تتحول من مشاعر الضغينة والحقد والرغبة في الانتقام إلى مشاعر جياشة بكل معاني التسامح والتصالح والإخاء.. يحق لأبناء الجنوب بعدها, وفي أي مكان وزمان أن يحتفلوا بهذا اليوم, وأن ينتشوا بنصرهم (الإنساني-الوطني) العظيم الذي رجح كفة الخير على الشر، والمحبة على العداء، والتسامح على الثأر، والانسجام على الفرقة، والتجمع على الشتات, كما يجوز للجنوب (الأرض والإنسان) أن يبارك لنفسه في هذه المناسبة مرتين.. مرة بانتصاره لنفسه على نفسه وعلى ما فعله بنفسه، ومرة .. الخ" . وخلال هذه الفترة الوجيزة، لم تُكتّف ردفان أيديها، إذ لم تمر سوى بضعة أشهر حتى توّجت دعوتها بمهرجان مليوني صاخب في الحبيلين للاحتفاء بذكرى ثورة كل الجنوب (الرابع عشر من أكتوبر)، شاركت فيها كل شرائح المجتمع، من كل المناطق الجنوبية دون استثناء، أعلنوا فيه قسمهم بحرمة دمهم، وحرمة تخوين بعضهم، وأن لا تجد "دعوة الفرقة" بينهم سبيلا.. فكان هذا المهرجان الدليل الأبلغ على نجاح فكرة التصالح والتسامح، وإعادة لم الشمل لترميم البيت الجنوبي كبداية نقطة تحول باتجاه نضال سلمي طويل. و لكن دعوة بهذا العمق والاستجابة، لم تكن لتمر أمام ناظري النظام مرور الكرام خصوصاً وقد أصابت سياساته القائمة على اختلاق الأزمات والشقاق بمقتل!.. كان أول ما فعله أن قام بصب جام غضبه على ردفان، كان من مظاهر هذا الغضب، قتل وجرح الكثير من أبناءها، والعمد إلى تفريق كل المظاهرات التي تقوم على أراضيها بقوة السلاح!.. وكنوع من أساليبه الرخيصة في لي الذراع لممارسة مزيداً من الإذلال، قام بنشر كتائب من الجيش في أماكن مستحدثة، تكشف هذه الأماكن بيوت المواطنين بصورة فاضحة!.. وتطور الصراع المسلح وإنتقل إلي الضالع وحضرموت وتسبب في العديد من القتلي والمصابين ، وفي إطلاق حملة اعتقالات عشوائية طالت عدد من القيادات والناشطين في محافظة حضرموت بينهم أطفال ، وأكدت مصادر محلية أن عدد المعتقلين بلغ 100 معتقل تعرضوا في السجن للضرب بأعقاب البنادق والتعذيب – كما ذكرت مدونة يمن اليوم.
تحركت قوي المعارضة سريعا ، واصدرت أحزاب اللقاء المشترك بيانا نشرته مدونة " السبئي نت " عبرت خلاله أحزاب اللقاء المشترك ولا تزال عن رفضها لسياسات السلطة القائمة على فرض سياسة الأمر الواقع والتفرد بشئون الوطن وقضاياه ، وفي مختلف الظروف والمراحل ، ودعت إلى إيجاد الحلول الحقيقية والواقعية لمجمل القضايا والمشكلات بروح المسئولية الوطنية وفي إطار المؤسسات وبعيدا عن الحسابات القصيرة النظر والآنية . وترى أحزاب اللقاء المشترك أن المشهد السياسي اليوم قد وصل إلى درجة بات معها التطرف هو المتحكم في مساراته ، حيث أدت السياسة المتطرفة للسلطة في التعاطي مع القضايا الوطنية الكبرى من خلال ما أظهرته من تجاهل وإهمال للإصلاحات السياسية الجذرية واللجوء إلى المناورة والقوة وتعميم الفساد والاعتماد على نظام الولاءات بدلا من الشراكة الوطنية إلى خلق حالة من الإحباط واليأس داخل المجتمع ، الأمر الذي أدى إلى تفريخ نزاعات التطرف في التعاطي مع الشأن الوطني ،لقد أدى هذا الوضع إلى تمكين التطرف من استقطاب المشهد السياسي على نحو خطير ينذر بالمواجهة في أكثر من مكان ووضع البلاد على طريق الانقسام. وتابع البيان موضحا إن مواصلة عسكرة المحافظات الجنوبية بنشر القوات المسلحة واستحداث المواقع العسكرية على نطاق واسع ومواصلة الاعتقالات يعيد إلى الأذهان الحرب المأساوية في صعده التي لا زالت حتى اليوم مفتوحة على كافة الاحتمالات، وبدلا من الإسراع في بلورة مشروع سياسي وطني والاعتراف بالمشاكل والأزمات التي تفجرت في كل أنحاء البلاد من جراء السياسات الخاطئة للسلطة الحاكمة وحزبها بما في ذلك الاعتراف بالقضية الجنوبية فإن مواصلة السير في الطريق الخاطئ قد وفر مناخات لضرب الجهد الوطني الرامي إلى إخراج البلاد من أزماتها ومشاكلها . وأضاف البيان إن هذا الوضع المكتظ بمشاعر الانقسام الوطني إنما هو محصلة تراكم الأخطاء القاتلة للسلطة الحاكمة وإصرارها على السير في نفس الطريق مع التصميم على تيئيس الشعب من بناء دولة الشراكة الوطنية فالحراك السلمي في المحافظات الجنوبية هو تعبير موضوعي عن حاجة الشعب إلى هذه الشراكة في الحكم والثروة ، وبالتالي فإن جوهر القضية الجنوبية كقضية سياسية يكمن في هذه الحاجة التي قدم الشعب في الجنوب من أجلها التضحيات وبرهن أنه على استعداد لتقديم المزيد من التضحيات من أجلها عل الرغم من غطرسة القوة وإنتاجها لخيارات التطرف والمغامرة ، وهو في ذل لا يبحث ولا يناضل إلا من أجل بحثه المشروع عن الحياة الكريمة والمواطنة المتساوية والحكم اللامركزي والنظام السياسي والاجتماعي العادل ، إن ذلك لن يتحقق إلا بالعودة إلى روح الوحدة السلمية ومشروعها الوطني الذي صادرته القوة والحروب ، وعلى هذا الصعيد ترى أحزاب اللقاء المشترك أن الوطن اليوم بكافة قواه السياسية والاجتماعية بحاجة ماسة للوقوف بمسئولية أمام التحديات التي لا يمكن لخيارات القوة والعنف والتطرف والمغامرة إلا أن تسهم في تصعيدها وتمكينها من جر البلاد إلى مزيد من الانقسامات والتداعيات ودق آخر مسمار في نعش المشروع الوطني الذي كان ولا يزال أمل هذا البلد في النهوض والتطور ، ذلك المشروع الذي عبرت عنه الوحدة السلمية يوم 22مايو 1990م ومضامينها الوطنية والديمقراطية القائمة على إنشاء دولة الشراكة الوطنية والنظام والقانون والمساواة والعدل وخيار الديمقراطية الذي يضع حدا ونهاية للتسلط والتفرد بالحكم ويضع حدا ونهاية للتطرف والمغامرات ونهج العنف والصراعات ، ولن تكتمل حلقة الدفع بالقضية الجنوبية العادلة نحو إنتاج دولة الشراكة تلك إلا بانخراط بقية أبناء اليمن في النضال الحقيقي الذي يؤمن شراكتهم في مناطقهم المختلفة الأخرى ، وإذا كانت المبادرة قد جاءت من الجنوب فإن ذلك إنما يؤكد دور الجنوب التاريخي كمشروع سياسي وطني كان دائما سباقا في الكفاح الوطني والنضال الشعبي في محطاته التي حققت الاستقلال الوطني الناجز والمساهمة الفاعلة في القضاء على الملكية والسير نحو بناء اليمني الموحد الديمقراطي. إن الجنوب يجب أن لا يكافأ إزاء كل تضحياته الوطنية العظيمة بنشر الدبابات والعسكر ، بتلك الطريقة التي شوهت وتشوه مضامين الوحدة وعلى ذلك النحو الذي يستفز المشاعر فالوحدة التي تحققت سلميا لا يمكن أن تحمل إلى الناس على ظهر دبابة في عالم اليوم الحديث الذي أخذ يعيد صياغة وعي الشعوب بناء على قواعد مختلفة ترسخ قيم التعايش والتسامح ، وإنتاج وإدارة المصالح المشتركة ، كما أنه لا يمكن للمشاريع المغامرة والمتطرفة إلا أن تكون الوجه الأخر لهذا النوع من الأنظمة التي تعتمد القوة ، وهذا يعني أننا أمام محطة تاريخية هامة وحاسمة من حياة شعبنا تضعنا أمام مفترق طريقين فإما أن نزكي نضالات شعبنا وتضحياته ونمجده ونتجه به صوب غاياتها النبيلة وأما أن نتركها لعبث منظومة القهر والقوة والتطرف والخفة لتقود الوطن إلى مجاهيل المواجهات والعنف والحروب .
من جانبها ردت السلطة بحملة إعتقالات واسعة طالت معظم الصحف التي ساندت نضال الجنوبيين مثل جريدة الأيام – والتي نشرت مدونة النويهي – تفاصيل الإعتداء الذي تعرضت إليه الجريد وصحفييها ومصادرتها ومنعها من الصدور 4 أيام متتالية . كما أن القوات اليمنية قامت بسحب ست صحف مستقلة من السوق بسبب تغطيتها لأخبار الحراك الجنوبي وهي صحيفة الديار، النداء، المستقلة ، الوطن، المصدر و الشارع التي أدلى رئيس تحريرها الأستاذ نايف حسان بتصريح لمنتدى الإعلاميات قال فيه: "يبدو أن هناك حالة طوارئ غير معلنة مع وجود توجهات إدارية من قبل وزارة الإعلام لمصادرة هذه الصحف والمطبوعات ".وقد صدرت صحيفة المصدر العدد 73 وهي في المطبعة بمقدار 15000 نسخة. كما اعتقلت قوات امن حضرموت رئيس تحرير موقع المكلا برس فؤاد راشد بعد اقتحام القوة الأمنية لمنتدى الخيصة واخذ راشد إلى مبنى الأمن, وتقول المصادر أن سبب الاعتقال هو التغطية الإعلامية في الموقع للأحداث والمظاهرات الأخيرة في المحافظات – علي حد ذكر مدونة يمن اليوم .
تؤكد الخبرة التاريخية للشعوب أن أي تغييرات يتم فرضها بالقوة ، ولا تنشأ نتيجة تطور داخلي بمجتمعاتها ، تفشل ، وفيما يبدو أن الوحدة اليمنية التي فرضت علي الجنوب عبر حرب دموية ، وليس عبر قناعة جنوبية في طريقها للإنهيار ، ولا يبدو أنها ستكون إستثناء لتلك الخبرة التاريخية .