في مصر : حرية التعبير إلي نفق مظلم

 

كالعادة تمارس التيارات والإتجاهات المعادية لحرية الفكر والتعبير دورها بنجاح تام في حصار حرية الفكر والتعبير ، والإبداع في المجتمع المصري ، وزج المبدعين زجا للإلتزام بأسقف إجتماعية تراها هذه التيارات وما تعبر عنه من طبقات إجتماعية هي الملائمة للإخلاق وللقيم التي تربي عليها المجتمع المصري – والثابتة علي مر الأزل لا يطولها التغيير الذي يمرح بين جنبات العالم في كل مكان ’ محدثا زلزالا في إعادة تركيب المفاهيم القديمة ، والحدود الأخلاقية لحرية الفكر والإبداع . هذا الأسبوع يشهد محاكمة الكاتب والمدون مجدي الشافعي – الفنان التشكيلي والصيدلاني – ومدير دار نشر ملامح ، بتهمة أنهما صنعا وحازا بقصد الاتجار والتوزيع مطبوعات منافية للآداب العامة ، بأن قام المتهم الأول(مجدى الشافعى) بتأليف كتاب"مترو" وضمنه عبارات منافية للآداب العامة وقدمه المتهم الثانى(محمد الشرقاوى) الذى قام بطباعته ونشره وتوزيعه.."،وطالبت النيابة بمعاقبة المبدعين بموجب المواد30 و171 و178 و198 من قانون العقوبات. وترجع وقائع القضية – كما ذكر علي موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، ومدونة الصحفي أحمد الدسوقي ، ومدونة مو الطاهر  لشهر إبريل الماضي 2008 ، حينما اقتحمت قوة من شرطة الآداب دار نشر "ملامح" ، وقامت بمصادرة كل النسخ الموجودة بدار النشر ، ثم قامت نفس قوة الشرطة بالمرور على العديد من المكتبات التي تعرض الرواية وقامت بمصادرتها ،رغم عدم وجود أي إذن قضائي ، وبعد يومين قامت بإبلاغ النيابة العامة التي قامت بدورها باتهام المؤلف والناشر بمخالفة نص المواد (178 ،178مكرر ،198 عقوبات" وهي التي تعاقب على "نشر مطبوعات تخدش الحياء العام" بالحبس لمدة قد تصل إلى سنتين وبعد أيام وفي شهر مايو 2008 تقدم أحد محامين الحزب الوطني والمعروف بملاحقته الصحفيين والمعارضين السياسيين بقضايا الحسبة السياسية " وهو نفسه الذي حرك من قبل إحدى قضايا الحسبة السياسية ضد الصحفي إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة الدستور المستقلة " وقد تقدم ببلاغ للنيابة العامة ضد الناشر والمؤلف ، يتهمهما بنفس الاتهامات التي تقدمت بها شرطة الآداب ضد الناشر والمؤلف ، لتقوم النيابة العامة بتحويل الواقعة لمحكمة الجنح .    ورواية "مترو" أول رواية مصورة للكبار، وهو نوع من الكتابة لم تعرفه مصر من قبل يسمي "جرافك نوفل"، وهذا النوع من الروايات تتمتع في أوروبا والولايات المتحدة بشعبية كبيرة جداً فهي أحد فنون التعبير التي تنتمي للـ "بوب آرت" التي تمتد جذورها الى خمسينات القرن الماضي والتي سعت إلى تصوير مظاهر الحياة اليومية والأحداث، وعوالم الإستهلاك من خلال الرسومات . وقد أهدي مجدي الشافعي روايته للمدونين المصريين إحتراما منه للدور الذي يؤدونه في نشر ديمقراطية عملية الكتابة في مناخ قمعي .. و مترو" تدور قصتها حول "شهاب" مهندس الإليكترونيات، الشاب الحانق على النظام الاجتماعي والفساد المنتشر في مصر، والذي يقترب من الإفلاس بسبب المنافسة التي يسحق فيها أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة سواهم، و"شهاب" ينتمي إلي أبناء الطبقة المتوسطة المندثرة لأسرة تعيش في حي "السيدة زينب" العريق، فهو تائه بين ما تربي عليه من أخلاقيات، وما حصل عليه من ثقافة، وكذلك بين ما يتطلع إليه من أحلام يتطلع إليها كافة أبناء تلك الطبقة، فهو يصف دائماً هذا السياق الاجتماعي بـ "النفق" .. يحاول المهندس الشاب الإعتراض على تلك الأوضاع بأسلوب عنيف وهو سرقة أحد البنوك!! إستعان "شهاب" بصديقه "مصطفي" ذلك الشاب الفارغ الذي يسكن منطقة "المرج"، فهو ينتمي لعشوائيات القاهرة التي يعتبر أغلبها بؤر للفساد والإنحراف، لا يحكمه نسق أخلاقي أو طموح بعينه ، وفي نفس الوقت يحاول "شهاب" كشف سر مقتل "الحاج مصباح" رجل الأعمال الذي أوصاه بفضح من أسماهم "الخيالة" وهم مجموعة فاسدة من كبار رجال الأعمال بينما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولكن يفشل شهاب في المهمتين، فبعد سرقة خمسة ملايين دولار من بنك في وسط القاهرة يقوم شهاب وصديقه مصطفي بحفظها في إحدي محطات المترو في وسط المدينة، إلا أن "مصطفي" يغدر به ويهرب بالمال إلي خارج مصر، ويبقي ما يسمون بـ "الخيالة" أو الفاسدون المتحكمون في مصير الوطن طلقاء أحراراً، إلا أنه من الغريب أن يتم تسوية السرقة في البنك ليس لتبرئة شهاب، ولكن لإنقاذ الموقف حتي لا يتورط أحد المسئولين الكبار. وتقدم فصول الرواية العديد من القضايا التي حدثت في مصر مؤخراً منها قضايا الفساد وصراع الطبقات في مصر والمظاهرات التي توقفه أمام شخصية الصحفية "دينا" التي تعرضت للتحرش الجنسي خلال المظاهرات المنددة بالتعديلات الدستورية في مصر 2005م وتنشأ بينهما قصة حب. وضمن المؤلف الشافعي روايته المصورة بمخاوف الأقلية الدينية في مصر "الأقباط". فضمن شخصيات الرواية شخص يدعي "ونس" وهو رجل قبطي عجوز شبه ضرير مهمش اجتماعياً كان يعمل في إصلاح الأحذية، إلا أنه هجر عمله هذا وتحول لمتسول في الموالد الدينية للمسلمين بعد ملاحقة أجهزة الضرائب له وتعرضه لاعتداء وحشي بعد مشاركته في مظاهرة ضد النظام من قبل رجال الأمن، وضمن أحداث الرواية يقول "ونس" للمهندس "شهاب": "عاوز تقول ونس الاسم المسيحي ده في مولد السيدة زينب؟! .. دي الشغلانة الوحيد إللي ماحدش بيسأل فيها إن كنت مسلم ولا مسيحي". فقد استخدم المؤلف هذه العبارة كإسقاط على قول الاقباط في مصر بالتمييز بينهم وبين المسلمين. وفي النهاية .. لا يتبقي لشهاب سوي حبيبته الصحفية "دينا" والتي تقاوم الاوضاع بالاشتراك في المظاهرات والاحتجاجات، وتنتهي الرواية بشهاب يقف مع حبيبته "دينا"، شبه وحيدين، في محطة المترو شبه الخالية، تحديداً محطة جمال عبدالناصر، وهو يقول العبارة النهائية في الرواية: "ماتيجي نطلع برة النفق". الجديد في رواية "مترو" أن هذا النوع من الروايات لا يعتمد على المصطلحات والنص فقط في وصف أحداث الرواية، ولكن الإستعانه بالصورة وكأنك أمام فيلم سينمائي يعين القاريء على معايشة الأحداث . و تنتمي الرواية إلي إحدي المدارس أو التيارات الفنية التي تأسست في الولايات المتحدة وانتشرت باسم الـ "Under Ground" أو تحت الأرض، وقد تبني هذا الإسلوب مجموعة من الفنانين أبوا أن يسايروا الموجه السائدة في الأدب من تمجيد الأوضاع وإعطاء صورة وردي للأمور، وأغلب أحداث الرواية تدور في محطات المترو المختلفة والتي تشير أسمائها هي الأخري إلي بعض المعاني المقصودة، فهي تشير في معناها المجازي أن هناك بعد الهامشيين يعيشون تحت الأرض، بعيدا عن الحياة الحقيقية.

تحركت العديد من منظمات المجتمع المدني المصري والمدونين المهتمة بالجانب الحقوقي والمهتمة بالجانب الإبداعي لدعم مجدى الشافعي والناشر محمد الشرقاوي ، و أعربت اليوم 30 مارس 2009 العديد المؤسسات الحقوقية في بيان لها عن انزعاجها الشديد وإدانتها لمحاكمة مجدي الشافعي ، مؤلف أول رواية جرا فيك مصرية "مترو" ودار النشر التي نشرت الرواية أمام محكمة جنح قصر النيل بالقاهرة بتهمة " نشر وتوزيع مطبوعات منافية للآداب العامة " وهو ما يهدد المؤلف والناشر بالحبس لمدة سنتين. قالت المؤسسات الحقوقية المدافعة عن المؤلف والناشر" إن النقد الأدبي هو المجال الوحيد للحكم على النص الأدبي والإبداعي ، ومحاكمة مؤلف وناشر في محكمة جنائية على رواية ، هو ضربة في مقتل لحرية التعبير وحرية الإبداع". ورأت المؤسسات الحقوقية أنه من المؤسف أن تقوم الحكومة المصرية بحاكمة نص أدبي أمام محكمة جنائية ، في نفس التوقيت الذي ترشح فيه وزير الثقافة ،والمعروف أنه فنان ، لمنصب مدير عام اليونس، فهل ترشح الحكومة المصرية لمنصب القائم على شئون الثقافة في أهم منظمة عالمية لشئون الثقافة، من هو غير قادر على حماية المثقفين والمبدعين في دولته؟. ووقع علي هذا البيان كل من : مركز هشام مبارك للقانون ، و الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان  , و مؤسسة حرية الفكر والتعبير  , الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية

ومن جانبها أدانت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بشدة سلوك الدولة ممثلة في أجهزة الأمن فيما يتعلق بهذه القضية منذ البداية حيث إقتحام دار نشر ومصادرة رواية دون أي سند قانوني ، ثم عرض الكاتب والناشر علي النيابة والأفراج عنهم بعد إتهامهم بتهم فضفاضة   . وأكدت الشبكة العربية لحقوق الإنسان أن مصادرة وزارة الداخلية للكتب والروايات باتت أمرا مقلقا للغاية خصوصا وأنها الحادثة الثانية خلال أسبوع واحد، حيث صادرت الداخلية قبل أيام – من مصادرة رواية مترو - كتاب "عشان ما تنضربش على قفاك" لكاتبه ضابط الشرطة السابق عمر عفيفي والذي يشرح للمواطن بشكل مبسط – وساخر – كيف يحمي نفسه من بطش الشرطة وتعذيبها من خلال معرفته بحقوقه القانونية.

وعلي صفحات مدونة فنتازيا كمان وكمان   تساءلت الكاتبة قائلة : إلى متى سيستمر هذا المسلسل المخزي المسمى بالحسبة؟؟؟ بقى فيه دولة مدنية محترمة في القرن الحادي والعشرين يسمح قانونها بهذا الانتهاك السافر لحرية المفكرين والمبدعين؟ لماذا نتفنن في الاساءة إلى سمعة مصر عالميا؟ لماذا نصر أن نكون نكتة يتندر بها العالم الحديث؟ لماذا نرتضي أن نكون مثارا لسخرية المجتمعات المتقدمة ثم ندعي زورا وبهتانا أننا نسعى للحاق بركاب الحضارة ونتجه نحو التقدم وتكريس احترام الحريات وحقوق الانسان؟ وأضافت مستنكرة : كيف تسمح دولة بجرجرة أديب للأقسام والمحاكم لمجرد أنه كتب رواية ؟

ونشرت مدونة الكاتب والسيناريست باسم شرف كلمة لكاتب الرواية مجدي الشافعي جاء بها : فى وقت تتحرك فيه كل الاجهزة لقمع الكلمة و ضرب الحرية فى جميع منافذها ( صحافة - محطات - اذاعه - انترنت- دور نشر) مسؤليتنا جميعا اننا نبث روح الحريةاحنا قدام تيارين ضاريين:- الوهابيين اللى مش مستحملين يعايشوا مع اى حد و لا مستحملين روحهم ، - و التيار البوليسى المهووس بالقوة و القمع ، الاثنين يترعبوا من شئ واحد: النور : نور الحرية ، سيستخدموا هتافات اخلاقية ن و سيستخدموا كل الفرص ليبرروا كل الاغلال التى سيقيدوا بها افواهنا و ادمغتنا ، ولكن اذا لم نهزم حدودنا لن يكون هناك بطلا اوليمبيا، لن يكون هناك فى مكتشفا و لا مخترعا ولا عملا فنياً ، مازلت ارى نورا و أملا فى فطرتنا السليمه التى تنتصر للفن و العقل و الحرية ، حتى و رجال البوليس و محامو الحسبة يبلغون ضدنا ، حتى و نحن نساق للمحكمة بلا داع . يوم السبت القادم الساعة 9 صباحا ، سيكون يوما لنا نتقدم فيه خطوة فى مواجهة جيوش الظلام بدعمكم ، اكتبوا على الوول بتاعة فاروق حسنى ، احضروا المحاكمة ، اكتبوا على مدوناتكم فالامر يستحق ان نثبت لكل المتربصين انهم لم يفتتونا لان كل واحد فينا كان مشغولا بنفسه فقط .