في عمان ، كما في كل مكان في الوطن ، فرضت شبكة الإنترنت وإعلامها ، سواء المنتديات أو المدونات ، واقعا إعلاميا مغايرا لإعلام السلطة ، متحررا من قيودها ، وشكلت شبكة الانترنت فضاءً تفاعلياً حول مختلف قضايا الشأن العام، في السنوات الأخيرة، في سلطنة عمان. وبالرغم من قلة عدد المشتركين، لأسباب تعود إلى سوء الخدمات وارتفاع أسعارها وعدم الاطمئنان لشروط الحماية والخصوصية، وتخلي الدولة عن أي دعم لتسهيل وتعميم استخدام الإنترنت في الحياة اليومية، إلا أنه وفي غياب صحافة مستقلة ووسائط اتصال غير مملوكة للدولة أو لا تخضع لتوجيهاتها استطاعت الانترنت، عبر المنتديات الحوارية والإخبارية، أن تكوّن رأياً عاماً، وحركة مطلبية افتراضية ففتحت ملفات عديدة للفساد الإداري والمالي، وناقشت السياسات التنموية، وكشفت عن المظالم اليومية، وطالبت بالحريات، وكذلك قدمت أفكاراً ومعالجات كما يراها المواطن المحروم، في الواقع، من شروط المشاركة السياسية وحرية التعبير.
هذا الحراك لإنماء حرية التعبير والمطالب أزعج السلطات و جعل نشطاء الإنترنت في عمان ليسوا بمنأي عن مواجهة الدولة ، وحول الإنترنت ونشطاءه إلي إبرز من يتعرض إلي الإنتهاكات والمطاردة من جانب الحكومة العمانية . وفي هذا الصدد - أوضحت مدونة عماني ممنوع من الكلام - أن التعبير يخضع للرقابة ويواجه التهديد والتنكيل، لا حرية تعبير وصحافة ولا حريات عامة أساسية، فالتظاهر ممنوع، وتأسيس الصحف قرار سياسي من مجلس الوزراء الذي يرأسه السلطان قابوس، والنشر بأنواعه يخضع لرقابات مسبقة ومتنوعة، وتأسيس الجمعيات الأهلية تخضع لقانون متخلف ولا يسمح لها إلا بموافقة أمنية تضمن السيطرة عليها.. وأضافت المدونة أنه في العام 2008 ولدت حركة تدوين عمانية على الإنترنت، وبالرغم من عمرها القصير وقلة المدونين، إلا أنهم أصبحوا مطلوبين وملاحقين، ويزداد الأمر سوء عندما يكون المدون معروف الهوية ويكتب باسمه الصريح، وذلك ما أصاب المدون العُماني حمد الغيثي، الذي أجبره جهاز الأمن الداخلي على تعديل بعض مواضيع مدونته.. مما يجعل حركة التدوين وهي ما تزال في بدايتها معرضة للأجهاض والإجهاز عليها، ومما يؤكد عدالة ووجاهة خيار السرية لبعض المدونين العُمانيين، وأنا أولهم ، حيث تقوم المؤسسة الأمنية بأجهزتها المختلفة المتحدة بتتبع كتاب الإنترنت في المنتديات التفاعلية وفي المدونات، ويتعرضون بشكل دائم وممنهج لشتى أنواع الاعتداءات على حرياتهم الشخصية والعامة، فمن المحاكمات المدبرة، إلى التهديد المباشر، إلى المنع من الكتابة، إلى الإضرار بهم في مصالحهم وأوضاعهم المعيشية، فالشعب العُماني بأسره رهينة لدى المؤسسة الأمنية التي تحكم الدولة وتسيرها ضاربة عرض الحائط بالقوانين والأنظمة التي غالباً ما تكون صورية غير مفعلة في الواقع، جزئياً أو كلياً. وفي هذا الصدد ذكرت كل من مدونة مراحين ، ومدونة جداد ، نقلا عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، خبر تحويل علي الزويدي الصحافي والناشط علي الإنترنت إلي المحاكمة بزعم مخالفته لنص المادة 61 من قانون الاتصالات العماني ، والتي تصل عقوبتها لسنة سجن و غرامة ألف ريال عماني"نحو 2600دولار" بسبب سماحه بنشر موضوع يتناول شبهات فساد في شركة الاتصالات العمانية "عمانتل" كمشرف علي القسم المتعلق بالسياسة والإقتصاد في أحد منتديات الحوار المعروفة وهو "سبلة عمان" http://www.omania2.net/avb/member.php?u=8554 في شهر أغسطس الماضي 2008، بناء على شكوى تقدم بها الرئيس التنفيذي للشركة " محمد بن علي الوهيبي".
والزويدي كاتب مهتم بالجوانب الاقتصادية والتنموية، وسبق أن فتح ملفات عديدة للفساد الإداري والمالي، وكعادة المتنفذين في عُمان فإنهم قاموا باختراع سببٍ لترهيب الكاتب وهو محاسبته كمشرف في قسم سياسي في منتدى على الإنترنت . وتعود بدايات الموضوع – كما أوضحت مدونة عماني ممنوع من الكلام - إلي سماح المهندس علي الزويدي المشرف بمنتدي سبلة عمان ، والمشهور بإسم بن دارس ، بنشر مقال باللغة الإنجليزية يتناول بعض قضايا شبهات الفساد في شركة الإتصالات العمانية ، وإزاء ذلك قام الرئيس التنفيذي لعمانتل، وهو قادم من المكتب السلطاني أصلاً، بتقديم شكوى ضد منتدى سبلة عمان بسبب موضوع لأحد الأعضاء عن عمانتل، قام بن دارس بالسماح بنشره، واعتُبر بعض ماورد فيه إهانة وتجريح وتشهير في حق الرئيس التنفيذي. استدعى الادعاء العام المشرف العام على المنتدى، ثم علي الزويدي في وقت لاحق حسبما ورد بموقع سبلة عمان ، والتحقيق معه على خلفية سماحه بنشر موضوع يتحدث عن الفساد الإداري والمالي بعمانتل في سبلة عمان، واعتبر الإدعاء العام تصرف الكاتب، الذي يتحمل مسؤولية الإشراف في القسم السياسي والاقتصادي بمنتدى سبلة عمان، مخالفاً للمادة 61 من قانون الاتصالات الذي أصبح بعد التعديل الأخير عليه يستطيع تجريم المشرفين والإدارة وصاحب الموقع الإلكتروني. وتنص المادة 61 من قانون الاتصالات العماني بعد تعديلها في ديسمبر الماضي 2008 على: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة ، وبغرامة لا تزيد على ألف ريال عماني ، أو بإحدى هاتين العقوبتين : كل من يستخدم نظام أو أجهزة أو وسائل الاتصالات بقصد توجيه رسالة مع علمه بأنها غير صحيحة أو بأنها تتسبب في الإضرار بسلامة أي شخص أو بكفاءة أي خدمة . وحسب المعلومات الواردة من عدة مصادر، فإن أصابع الاتهام توجه إلى لوبي مالك المعمري وجمعة (فرايدي) والعلوي والوهيبي بالعمل على تحريك القضية من جديد، وتكييفها ضد الكاتب متذرعين بذلك بالمادة 61-البند الرابع من قانون تنظيم الاتصالات في نسخته الجديدة. وقد نُقل على لسان أحدهم قوله (أنا بأدبه حالكم)، وهو أسلوب سبق إتباعه في قضايا مماثلة نالت من المنتديات ومن كتاب ونشطاء على الإنترنت.
ومن المعروف أن بن دارس ككاتب قام بإعداد مواضيع مهمة عن الفساد في المؤسسات الحكومية، وهو ما ينسحب بالضرورة على مسؤوليها من الوزراء وأدنى منهم، كما لوحظ بصفته مشرفاً في المنتدى اهتمامه بمواضيع الفساد الإداري والإقتصادي ، والموضوع الأخير الذي كتبه أحد الأعضاء كان من بينها.
وقد أعربت مدونة عماني ممنوع من الكلام عن قلقها بسبب أن عُمان تعيش منذ فترة ليست قصيرةحملة من التحقيقات والاستدعاءات لصحفيين وكتاب لم تتضح كافة تفاصيلها بعد، كما تعيش ارتفاعاً حاداً في وتيرة التجاهل للمطالب الشعبية يرافقه قمع بوليسي فاقد لأي بوصلة سياسية، باستثناء السير الحثيث نحو حماية الفساد والمفسدين وقمع الشعب في كل موقع ومناسبة.
ومن جانبها قالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان" يبدو جليا أن القضية هي تصفية حسابات وعقابا لعلى الزويدي الذي دأب على التعبير عن رأيه وانتقاد الأداء الحكومي وخاصة قطاع الاتصالات ، الذي يشكو الكثير من نشطاء الانترنت في عمان من خدماته السيئة ، وهذه القضية لا تعدو أن تكون ذريعة لذلك ". وأضافت الشبكة " كان الأحرى بالسلطات العمانية أن تجري تحقيقا فيما تضمنه المقال سبب الأزمة ، وكذا الموضوعات التي دأب نشطاء الانترنت كتابتها انتقادا لشركة عمان تل ، فحرية التعبير تعني تقبل الانتقادات ومناقشتها بدلا من عقاب المنتقدين".
وضع المدونين ، ومواقع الإنترنت خاصة المهتمة بالقضايا السياسية والإقتصادية يزداد سوءا ، وإصطداما بالدولة في كل مكان بالوطن العربي ، وتزداد الإنتهاكات من جانب الدولة ، الأمر الذي يتطلب من المدونين والمسئولين عن المنتديات والمواقع الإخبارية إيجاد ألية لتوحيد وسائل لمواجهة تلك الإنتهاكات .