تتحرك الدول ذات التراث الديكتاتوري أو التي تعود جذور تكوينها إلي ممالك استبدادية أو عائلات كبري كانت – وما زالت في بعض الأحيان – تملك الأرض ومن عليها ، بشكل معاكس لحركة التطور ، وتقطع في تطورها في عقود طويلة ما قطعته الأنظمة الديمقراطية في أعوام قليلة ، وتدفع شعوب هذه الديكتاتوريات ومثقفيها ثمنا باهظا في نضالها لترسيخ قيم وقواعد الديمقراطية علي غير رغبة أنظمتها الحاكمة التي تتفنن في تأبيد المسار المعادي والمقيد للديمقراطية الشكلية المتاحة .
في هذا السياق أقرّ المجلس الوطني الاتحادي يوم 20/1 ، مشروع القانون الاتحادي لدولة الإمارت بشأن تنظيم الأنشطة الإعلامية، متضمناً مجموعة من العقوبات، على الرغم من طلب إعلاميين إرجاء مناقشة القانون إلى ما بعد لقائهم رئيس المجلس الوطني للإعلام، وتقديم مقترحات بشأنه. وتضمن مشروع القانون مواد لم تكن موجودة في قانون المطبوعات والنشر، وتغليظاً للعقوبات التي زادت بموجبها الغرامات المالية الواردة فيه لتصل في حدها الأعلى إلى خمسة ملايين درهم، فيما لم يتضمن الإشارة إلى عدم جواز حبس الصحافي بسبب عمله ، إذ فرض غرامة مالية لا تقل عن 500 ألف درهم ولا تزيد على خمسة ملايين ضد كل مَنْ تعرّض لشخص رئيس الدولة، أو نائبه، أو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، أو أولياء عهودهم، أو نوابهم في أي من وسائل الإعلام، أو المطبوعات المرخص لها في الدولة. ويعاقب بغرامة لا تقل عن 100 ألف درهم، ولا تزيد على 500 ألف درهم حال تلقي الصحف، أو بقية وسائل الإعلام الأخرى، أو العاملين فيها، دعماً، أو تبرعاً، أو ما في حكم ذلك من مزايا من جهة أجنبية، من دون إذن المجلس الوطني للإعلام . ويعاقب أيضاً بالغرامة ذاتها في حال "نشر أخبار مضللة للرأي العام على نحو يضرّ بالاقتصاد الوطني، ونشر أخبار كاذبة عن علم مخالفة للشروط والضوابط المقررة لممارسة أنشطة التراخيص الإعلامية". وفرض القانون غرامة لا تقل عن 10 آلاف درهم ولا تزيد على 200 ألف درهم على "من ارتكب أياً من الأفعال الآتية: تكرار نشر الإعلانات من دون التقيد بالقواعد المنظمة لذلك والصادرة في هذا الشأن، ونشر أي موضوع يخص أكثر من طرف من دون الأخذ في الحسبان وجهة نظر الأطراف المعنية، ونشر أخبار عن الجرائم من دون تحري الدقة والتأكد من صحة الوقائع، أو نشر أسماء وصور المتهمين في القضايا محل الضبط أو التحقيق من دون موافقة السلطة القضائية المختصة". كما أجاز القانون إلغاء الترخيص محل المخالفة أو الاكتفاء بوقفه لمدة لا تقل عن 180 يوماً. وفي حال ارتكاب تلك المخالفة مرة أخرى تضاعف العقوبة ويُلغى الترخيص أو يوقف لمدة لا تقل عن سنة"، وتشير هذه المادة إلى إمكانية وقف إصدار الصحف والمؤسسات الإعلامية الأخرى في حال ارتكابها للمخالفات الواردة في القانون.
وقد شهدت ساحة العمل الإعلامي الإماراتي غليان شديد وفترة توتر منذ الإعلان عن هذا القانون في بدايات مناقشته في 25 سبتمبر الماضي ، فقد جاء بدراسة منشورة بمدونة مواطن إماراتي مغلوب علي أمره خطورة القانون في كونه يقنن لنوعين من الحريات في الدولة الواحدة، الأولى تسري على المناطق الحرة والثانية على بقية وسائل الإعلام، مع اعطاء خصوصية للمناطق الحرة كما جاء في المادة (27)، والتي تشير إلى فصل الضوابط التي تحكم عمل المناطق الحرة عن الضوابط التي تحكم عمل بقية الوسائل الإعلامية، حيث قصر القانون صلاحية وضع تلك الضوابط على مجلس الوزراء فقط، والمفترض أن تسري مواد القانون على جميع الجهات من دون فصل أو استثناء. والمعروف أساساً كما أوضح لي أحد الزملاء القانونيين أن المناطق الحرة وجدت للتخلص من قوانين ذات سمة تجارية مثل (شروط الإقامة أو الكفالة أو قيود الشراكة التجارية.. إلخ) وليس للتخلص من أي قوانين وضعية أخرى. كما أن المادة تجعل الفعل الرقابي أكثر مباشرة وقوة على الإعلام المحلي منه على الإعلام الصادر من المدن الإعلامية الحرة. منح “الترخيص” في القانون الجديد قضية في غاية التشديد، فالقانون بداية يمنح مجلس الوزراء سلطة منح الترخيص، وهي مسألة غير منطقية، لأنها تثقل كاهل السلطة التنفيذية بأمور إدارية، فلا يعقل أن يتفرغ المجلس للنظر في ترخيص لمجلة تهتم بالسيارات أو الأزياء أو... الخ. كما يتعرض الترخيص في القانون للإلغاء من ثلاثة أطراف أساسية هي: مجلس الوزراء والمجلس الوطني للإعلام والقضاء. هنا نلحظ أن الكل ينظر إلى التخلص منه، مع صعوبة الحصول عليه في الوقت ذاته. والحقوقيون في هذا الجانب يرون أن القوانين الحديثة ابتعدت عن الأسلوب الاداري في إلغاء الترخيص، لأن الإدارة تكون في هذه الحالة هي الخصم والحكم، لذلك تم قصره على القضاء فقط. تغاضي القانون الجديد عن تقنين الأمر الصادر عن رئيس مجلس الوزراء بمنع حبس الصحافيين، وهي مسألة من المهم وضعها كمادة صريحة ضمن مواد القانون، بحيث لا يتم التعاطي معها شفهياً فقط. القانون يضع مزيداً من العراقيل أمام غير المقتدرين ماديا لممارسة حق تملك النشاط الإعلامي، وهي مسألة غير قانونية دستوريا، ومسألة الالتزام بوضع “التأمين” في القانون تعتبر من المسائل التي تجاوزها الزمن. كما أن المادتين (9) و(23) تشتملان على رقابة مسبقة، حيث تنص الأولى على أن يضع المجلس الشروط والضوابط اللازمة لمباشرة أي صحيفة أو محطات مرئية أو مسموعة، أو وكالة أنباء بإلحاق أي شخص للعمل بها محرراً أو كاتباً أومذيعاً أو معداً أو مراسلاً، أو الاستعانة بأي شركة أو جهة أجنبية بطريق التعاقد أو التكليف في عملها المهني أو الإداري. فيما تنص المادة الثانية على أن يضع المجلس الضوابط اللازمة لمتابعة محتوى البث المرئي والمسموع وأية وسيلة نشر أخرى. الكثير من مواد القانون تحتاج لإعادة نظر (المواد ،2 ،4 ،5 ،13 ،17 ،21 ،22 ،30 ،32 ،33 ،35 ،36 37 و39) لأنها تعتبر مسألة الحظر هي الأصل وتعتبر مسألة الحريات هي الاستثناء، وهي قضية تجاوزتها العديد من القوانين الإعلامية بما في ذلك القوانين التي صدرت مؤخراً على مستوى منطقة الخليج العربي. يوجد في القانون الجديد أكثر من (17) مادة تستهدف الفعل الرقابي، في حين تتوزع بقية المواد على القضايا الإجرائية. في المقابل تم تغييب حقين أساسيين يجب أن يكونا ملزمين لمن يمارس مهنة الإعلام وهما: حق الضمانات المهنية للإعلاميين، وحق المجتمع أو الرأي العام. ووصفت الدراسة القانون بأنه خطوة إلي الوراء .
ومن جانبه أكد محمد يوسف رئيس جمعية الصحافيين في الإمارات أن مشروع قانون تنظيم الأنشطة الإعلامية يمثل انتكاسة للصحافة المحلية وان الوسط الصحافي المحلي صُدم من مواده التي تضم مادة للتعريفات و5 للأحكام الختامية و10 للعقوبات و28 مادة للتراخيص متسائلا أين قانون الصحافة؟ وأضاف يوسف قوله: إن قانوني المطبوعات والعقوبات أكثر «رحمة» من «مشروع قانون تنظيم الأنشطة الإعلامية نظراً لعدم وضوحه وخلطه ما بين عمل الصحافة وشروط الترخيص للجهات الإعلامية.. مطالبا بتعديل المشروع ليشمل 7 مبادئ منها حظر تعطيل الصحف أو سحب تراخيصها ومنع حبس الصحافي بسبب عمله. وقال كنا ننتظر أن يتفهم المشروع الواقع الصحافي المحلي وينحاز إلى الشفافية وحرية الرأي وصحافة مواثيق الشرف استناداً إلى وعود ورؤية القيادة السياسية لتمكين الصحافة من توسيع هامش الحرية وتجاوز النواهي غير المبررة والتخفيف من القيود المفرطة في مواجهة الصحافة. وقال يوسف إن الجمعية اقترحت تعديل مشروع القانون، ولكن الجهات المعنية كان لها وجهة نظر أخرى وتعاملت مع هذه المقترحات «بفوقية».
ولم يأت الانتقاد من دخل الامارات فقط ، فقد ذكرت مدونة مواطن اماراتي أن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان تناولت القانون بالنقد ووضحت عدداً من الانتهاكات التي يشتمل عليها المشروع وأجملتها في أن العديد من مواد القانون جاءت في عبارات فضفاضة وتحتمل اكثر من تفسير، بينما جاءت النصوص العقابية أو الرقابية واضحة ومشددة. هذا بجانب أن بعض المواد أشارت إلى ممارسة دور رقابي للمجلس الوطني للإعلام، وهو الجهة الحكومية التي تهيمن على مؤسسات الصحافة والإعلام في الإمارات بالإضافة إلى عدد من الانتهاكات الخطيرة الأخرى ذات العواقب الوخيمة على أوضاع حرية الصحافة في البلاد بشكل عام . ومن جانبها أرسلت منظمة مراسلين بلا حدود رسالة موجهة من مدير المنظمة إلي وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء الإماراتي المختص بإعداد القانون أعربت فيه المنظمة عن بالغ قلقها من النسخة الجديدة من القانون التي طرحتها الحكومة .
محاولة حصار أخري لحرية الرأي والإعلام تبدت ملامحها مباشرة بعد إقرار القانون في رفض نشر بعض مقالات الرأي لكتاب صحفيين إماراتيين ينتقدون القانون . مما يؤكد أن هذا القانون خطوة كبيرة للوراء في عالم يلهث لكي يتطور في المجالات .