نقابة العقارية المستقلة : إنتصار رمزي لحق التنظيم المستقل في مصر

 

يعد حق التنظيم المستقل من أهم وأخطر الحقوق التي تحارب الدول البوليسية والتسلطية بإستماتة ضد منح لمواطنيها ، وتعمل بدأب شديد نحو جعل تأسيس النقابات – عمالية ومهنية - والروابط ومنظمات المجتمع المدني يمر عبر قوانين ودهاليز الدولة والنظام الحاكم ، وتتشابه في ذلك العديد من الدول العربية ، ولكن التجربة اكثر سطوعا هي تجربة مصر حيث قام نظام 23 يوليو بمصادرة وتأميم النقابات ووضعها تحت سيطرة الدولة ، وكذلك حرم وحظر بحجة القانون تأسيس أي منظمات مستقلة وخاصة الإتحادات العمالية والنقابية . ومنذ ذلك الوقت لم يشهد المجتمع المصري لا حزبا سياسيا ، ولا نقابة ، ولا إتحاد عمالي مستقل ، ودخلت الحركة النقابية والتنظيمية في مصر مرحلة خمول عميقة ، زود من خمولها العنف البالغ الذي تعاملت به الدولة مع العديد من التجارب التي حاولت تأسيس إتحادات ونقابات مستقلة .

وفي الفترة الأخيرة من العقد الحالي شهد المجتمع المصري حالة غليان قوية ، وحركات إحتجاج شعبية وعمالية للمطالبة بتعديل الأجور وتحسين ظروف العمل وخفض أسعار السلع، واضطرت الحكومة للموافقة على بعض من هذه المطالب تحت ضغط الاعتصامات والإضرابات التي شلت العمل في كثير من المصانع والمصالح الحكومية، ومنها إضراب الضرائب العقارية، وكذلك ومحاولات ضخمة لتأسيس مؤسسات مستقلة عن سيطرة الدولة تسمح للمواطنين بتنظيم أنفسهم في مواجهة الدولة ، وتسمح لهم كذلك بالتحرك بشكل جماعي في مواجهة القضايا التي تواجههم بدلا من الحلول الفردية التي لم تجدي نفعا في مواجهة الترسانة القمعية للدولة المصرية . وبعد أكثر من نصف قرن وبضغط من هذه المحاولات حدث ما يمكن أن يلعب دورا كبيرا في تغيير اوضاع العمل العام في مصر ويفتح الباب أمام تطورات سياسية وإجتماعية ستطول أثارها ليس مصر فقط بل والمنطقة العربية بأسرها . حيث أعلن نوظفو الضرائب العقارية عن تأسيس أول نقابة مستقلة منذ 57 عاما .

وتم الإعلان عن النقابة الجديدة، الموازية للنقابة المعترف بها رسميا، خلال الاحتفال بذكرى مرور عام على حصول موظفي الضرائب العقارية على حقوق مادية طالبوا بها خلال اعتصامهم وأسرهم الذي استمر لمدة 11 يوما أواخر ديسمبر 2007، وتعهد الموظفون بالمساعدة في إنشاء نقابات مستقلة، والحفاظ على المكاسب التي حصلوا عليها. وبحسب مؤسسي النقابة الأولى من نوعها منذ عام 1957 فقد نجحوا في جمع 22 ألف توقيع من 25محافظة لإنشاء نقابة موازية لنقابة لضرائب العقارية الرسمية، وتضم النقابة الجديدة 27 ألف موظف من إجمالي 55 ألفا يعملون في مصلحة الضرائب العقارية. و قال كمال أبو عيطة الرئيس المؤقت للنقابة وكبير مؤسسيها: إن "تأسيس النقابة المستقلة جاء استنادا إلى إرادة موظفي الضرائب العقارية الذين ثابروا وكافحوا حتى زادت رواتبهم أربعة أضعاف في عام واحد". وأضاف: "سنقوم بجولة تفقدية لجميع مديريات الضرائب العقارية في مصر لمعرفة مطالبهم وتلبيتها، خصوصا ما يتعلق بضرورة رفع الأجور، وتطوير الرعاية الصحية والاجتماعية، والنضال من أجل مساواة العاملين بالضرائب العقارية بزملائهم في مصلحة الضرائب المصرية". وقال أبو عيطة: "سنبدأ في اعتماد اللوائح الداخلية والتنفيذية للنقابة وبعدها سنجري انتخابات لاختيار أعضاء مجلس ولجان النقابة". وتضم النقابة حاليا 14 لجنة فرعية تضم ممثلين عن المحافظات المصرية، الممثلة أيضا في المجلس العام للنقابة. وأوضح أبو عيطة أن النقابة لن تسعى للحصول على اعتراف رسمي بها؛ كونها "نقابة شعبية وستظل كذلك"، لكن محامي النقابة هيثم محمدين أعرب عن ثقته في أن "الحكومة ستضطر للاعتراف بتلك النقابة المستقلة في لجان المفاوضات حول حقوق الموظفين؛ لأنها باتت الممثل الحقيقي لهم فعليا". وأكد محمدين أن "الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر يؤكدان على الحريات النقابية والحق في التنظيم للأفراد بدون قيود، وهو ما قمنا به". ورأى محمدين أن اتحاد النقابات الحالي "معيب بشكل كبير؛ لأنه وضع حزمة كبيرة من النصوص تعطي للجهات الإدارية (وزارة القوى العاملة) حق التدخل في شئون الاتحاد بحسب القانون رقم 35 لسنة 1976 الذي لا يسمح بالتعددية النقابية، ويخضع القطاعات المختلفة لنقابة واحدة لا غير". وتساءل مستنكرا: "كيف يمكن فهم أن يكون موظفو الضرائب العقارية تابعين للنقابة العامة للبنوك والأعمال المالية؟! هذا يعني أن مجلس إدارة النقابة سيكون من غير مهنة الضرائب". وشهد إعلان النقابة المستقلة  إحتفاءا ودعما عظيما ، حيث إعتبره البعض بداية لتفكك الإستبداد السياسي في مصر ، وأعتبرته مدونة عرباوي  تتويجا لنضال طويل لتأسيس نقابة مستقلة في مصر وبدوره، اعتبر كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية أن إنشاء النقابة المستقلة "خطوة على طريق إصلاح النقابات في مصر وعودتها للدور الحقيقي المنوط بها؛ باعتبارها نابعة من الحركات المطلبية التي تزايدت مؤخرا وتتلاقى مع هموم المواطن العادي الذي فقد أمل الإصلاح من جانب القيادة السياسية". وأوضح أن النقابة المنبثقة عن اللجنة العليا للإضراب والتي نجحت في الحصول على بعض مطالب الموظفين بعد سلسلة من الإضرابات العام الماضي، ستعمل على ضم باقي موظفي الضرائب العقارية في القريب العاجل إليها. أما عبدالمنعم الجمل - الأمين العام للنقابة العامة للبناء والأخشاب - فيقول أرحب بقيام نقابة جديدة ولكن نرجو أن يوافقوا علي الانضمام لاتحاد العمال لتكون قوة جديدة تضاف إليه، لكن الانضمام يجب أن يكون طوعياً وليس إجبارياً، ويبقي هذا عمل عظيم في حد ذاته، خاصة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الطبقة العاملة ونرجو أن تنتقل تجربة تشكيل النقابات بالإرادة المستقلة للعمال إلي المدن الجديدة دون تدخل من السلطة أو رجال الأعمال. صابر بركات - القيادي في اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية - قال: لقد سبقت محاولة الضرائب العقارية عشرات المحاولات ولكنها فشلت ولكن هذه المحاولة تتميز بقيامها من خلال الآلاف من الموظفين، المنتشرين جغرافياً في مصر وأنها ولدت من رحم إضراب منتصر. وأضاف: قطع موظفو الضرائب العقارية نصف المسافة وفتحوا أفقاً واسعاً لمرحلة جديدة ليس فقط للحركة العمالية والنقابية المصرية ولكن أيضاً لمستقبل الديمقراطية والحياة السياسية والاجتماعية في مصر.

دليل على التفكك الهيكلي داخل الجهاز الإداري البيروقراطي للدولة".. بهذه الكلمات وصف المحلل السياسي نبيل عبد الفتاح إنشاء أول نقابة مستقلة للعاملين بأجهزة الدولة في مصر، مرجعا هذا التفكك إلى "وجود مراكز قوى جديدة تنازع الدولة اختصاصاتها مثل رجال الأعمال وأبناء الطبقة الحاكمة ورءوس الأموال الخارجية". وأضاف عبد الفتاح -الخبير الاستراتيجي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- في تصريح له : "أصبح العاملون بجهاز الدولة غاضبين على تدني المستوى المعيشي، وانتظار الارتفاعات البسيطة في دخولهم سنويا، والتي لا تكفي لحد الكفاف هذه الأيام؛ نظرا للارتفاع الجنوني في الأسعار وعدم قدرة الجهاز البيروقراطي للدولة على السيطرة عليها". كما أن النقابات الرسمية -بحسب عبد الفتاح- باتت "مؤيدة للدولة أكثر من اللازم ولا تعبر عن أعضائها، إضافة إلى كون رؤسائها على علاقات وطيدة بالسلطة". وأعرب عبد الفتاح عن اعتقاده أن إنشاء نقابة مستقلة للضرائب العقارية سيمثل "مرجعا للحركات المطلبية الاجتماعية التي من المنتظر أن تقوم بخطوات مماثلة، خاصة في ظل البنيان النقابي الحالي الذي نشأ معتمدا على التأميم والدولة السلطوية التي تجمع كل النقابات تحت مظلة نقابة واحدة، بدلا من وجود نقابة أو أكثر لكل مهنة كما هو متعارف عليه في دول العالم المتحضر". وذكرت مدونة " عمال مصر "  أن موظفو الضرائب العقارية تلقوا دعما قويا من الإتحاد الدولي للعمال عبر خطاب أرسله الاتحاد للرئيس محمد حسني مبارك جاء فيه أن الاتحاد الذي يمثل 168 مليون عامل من خلال 311 منظمة تابع لـ 155 دولة ومقاطعة أرسل هذا الخطاب احتجاجاً علي ما سماه بالصعوبات التي لاقاها موظفو مصلحة الضرائب العقارية في محاولاتهم لإنشاء رابطة للدفاع عن حقوقهم.وأشار الخطاب إلي أن موظفي الضرائب الذين يصل عددهم إلي 155 ألف موظف علي مستوي الجمهورية- يواجهون مصاعب في إطار تمثيلهم في النقابة العامة للعاملين في البنوك والتأمينات والأعمال المالية كما يعانون من القيود التي تفرضها التشريعات المصرية علي النقابات المستقلة، ولفت الخطاب إلي أن موظفي الضرائب العقارية تعرضوا للتحرش والمضايقات وغيرها من أشكال الضغوط.. ومع ذلك استطاعت اللجنة العامة للإضراب الحصول علي تأييد واسع من العمال، وحازت قضية انعدام المساواة بين موظفي مأموريات الضرائب العقارية ونظائرهم في مصلحة الضرائب العقارية اهتماماً كبيراً كما نجحت اللجنة العامة للإضراب في تنظيم اعتصام موظفي الضرائب العقارية في شهر ديسمبر من العام الماضي الذي انتهي إلي إجراء مفاوضات مباشرة بينهم ووزارة المالية أسفرت عن تلبية عدد من مطالب الموظفين وهو ما دفع الموظفين لتجديد الثقة في أعضاء اللجنة للاستمرار في المفاوضات مع وزير المالية من ناحية والبدء في العمل علي تأسيس نقابة مستقلة تمثلهم من ناحية أخري. وطالب الخطاب الرئيس مبارك بإزالة كل القيود القانونية المفروضة علي تأسيس النقابات المستقلة في مصر تنفيذاً لتوصيات لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية، وآخر تلك التوصيات ورد في تقريرها الأخير في يونيو 2008.كما طالب الخطاب باتخاذ اجراء مناسب يضمن استمرار قيادات موظفي الضرائب العقارية بعملهم دفاعاً عن حقوقهم وعن مصالح زملائهم دون الخوف من أي أضرار تقع عليهم. وعلي الجانب الحكومي كا ن الرفض والتنديد