المتتبع للتطورات الإقتصادية للدول التي أصطلح في ادبيات الإقتصادية علي تسميتها بالدول المتخلفة ، سيلحظ أنها الدول التي كانت أكثر إلتزاما بتطبيق روشتة الليبرالية بقسوة إجراءاتها وتقشفها الشديد ، ولم يكن ذلك فقط بسبب ضغوط المؤسسات المالية الدولية – وإن كان ذلك جزء لا يمكن إنكاره – ولكن أيضا لمجيء هذه الإجراءات في مصلحة الطبقات التي تعبر تلك الحكومات عن مصالحها والتي ضغطت بقوة ودخلت في تحالفات محلية وعالمية للإستئثار بتركة قطاع الدولة المربح جدا والمتحكم في أكثر من تسعين بالمئة من إقتصاد وموارد تلك الدول .
الدول الكبري في المنطقة مثل مصر وسوريا والجزائر قطعت شوطا كبيرا في هذا المجال ، وتسبب ذلك في مشكلات إجتماعية تتفاقم يوما بيوم ، وهبات جماهيرية عنيفة خاصة مصر والجزائر ، وبالرغم من ذلك مازالت دول أخري في المنطقة تسعي للدخول لتلك الدائرة الجهنمية . وفي هذا الصدد ذكرت مدونة FreeTime الأردنية تحت عنوان غارة علي جيوب الغلابة أن حكومة السيد نادر الذهبي رئيس الوزراء الأردني قررت بعد نجاح نجاح تجربة قانون مستشفى الأمير حمزة سوف أن تطبقه على كافة المستشفيات الحكومية).. ولست أدري وبعد أن تنجح –لا قدر الله هذه التجربه- هل نسأل عندها عن "الصحة" ؟،أعني بعد نجاح تجربة خصخصة هذا الصرح الطبي الأردني ماذا يتبقى للغلابى في مثل هكذا "صحة".. كيف ستكون "الصحة"؟! . وأوضحت المدونة أنه تم بناء مستشفى الأمير حمزة للتخفيف من الضغط على مستشفى البشير،بسبب كثرة الأخطاء ولا إنسانية الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك،والتي جعلت من الملك أن يقوم "متخفيا" بزيارتين لمستشفى البشير،حيث كان ومازال موئلا " لمجاميع غفيرة" من المواطنين الذين يطلبون "الرعاية الصحية"،فهناك ازدحام وفوضى وعدم احترام وصدمات نفسية وعصبية تتطور غالبا الى خصام والتحام وانتقام من الأطباء والموظفين والمرضى المساكين.. فوضى شاملة ومن كل العيارات وبمختلف الأوصاف والعبارات هي الوصف الأدق لمستشفياتنا الحكومية.. . والصحة ليست على مايرام. و علي حد ذكر المدونة في تقريرها ينفق الديوان الملكي سنويا أكثر من 220 مليون دينار،على هيئة مكارم للمرضى الغلابى الذين لا يملكون تأمينا صحيا أو الذين ابتلاهم الله بمرض،لا يستطيعون دفع نفقات التعالج منه، وبعد أن تكتمل أمنية وزير صحتنا بخصخصة "صحتنا" وتسييل أوجاع الغلابى الى أرصدة نقدية في جيوب وحسابات مافيات "الصحة والتعليم" .. نقول بعد أن ينبؤهم "ضرب الودع" في حالة مستشفى الأمير حمزة، وبعد أن تتكلل هذه الغارة على جيوب الفقراء والغلابى بالنجاح –لا قدّر الله-.. كم سيكون مقدار الحشد على أبواب الديوان الملكي العامر طلبا للعلاج؟!!،لا شك أن المؤمَّنين صحيا "سيختلطون" أيضا مع المحتشدين على باب الديوان طلبا للعلاج،فصحة كل "الغلابى" وأوجاعهم أصبحت استثمارا لدى وكالة الإنماء الأمريكية وبعض رموز الفكرة التصحيحية الاقتصادية في حكومة الذهبي .
وقد أثار النظام الجديد الخاص لمستشفى الأمير حمزة بعد إقراره من جانب الحكومة الاردنية مجموعة من التساؤلات حول ما إذا كان مقدمة لخصخصة المستشفى وانسلاخه عن القطاع العام. وبحسب النظام والذي جاء بـ(59) مادة تم استحداث وحدة في وزارة الصحة تسمى "وحدة مركز مستشفى الأمير حمزة" برئاسة وزير الصحة وعضوية الأمين العام نائبا لرئيس المجلس, وعميد إحدى كليات الطب الأردنية ومدير إدارة التأمين الصحي, مدير إدارة المستشفيات, ومدير عام مستشفى الأمير حمزة, وثلاثة أعضاء من ذوي الخبرة على أن يكون احدهم من ذوي الخبرة بالأمور المالية والإدارية يعينون من قبل وزير الصحة . وأعتبر الناطق الإعلامي في نقابة الأطباء الدكتور باسم الكسواني أن النظام الجديد يحمل "الظلم" في طياته لأطباء الوزارة حيث سيبقي رواتب موظفي الوزارة المعينين على نظام الخدمة المدنية كما هي بينما ستكون رواتب المعينين الجدد بناء على عقود جديدة عالية وهو ما اعتبره الكسواني "ظلماً" لموظفي وزارة الصحة . وبموجب النظام يحق لرئيس الوحدة "وزير الصحة" تعيين الموظفين من أطباء وفنيين بعقود في المستشفى وبرواتب يتم تحديدها من قبله بعيداً عن نظام الخدمة المدنية الذي يتم تعيين موظفي القطاع العام بالتنسيق معه. ولم يخف الدكتور الكسواني مخاوفه من أن النظام الجديد هو بداية لانسلاخ المستشفى عن هيكلة وزارة الصحة وتمهيداً لخصخصته وقال أن خصخصة القطاع الصحي في الأردن "خط أحمر" ,ودعا وزارة الصحة إلى أن تتحمل مسؤوليتها تجاه المؤمنين والمنتفعين بعلاجهم بالمجان وعدم رفع تكلفة العلاج عليهم . وبين أن مستشفى الأمير حمزة جاء لتخفيف الأعباء عن مستشفى البشير والذي يعاني من الاكتظاظ بسبب كثرة المراجعين وليس ليكون مستشفى بنظام خاص قد يزيد من أعباء العلاج المادية على المنتفعين مما يعيدهم إلى مستشفى البشير. وطالب الكسواني وزارة الصحة أن تقوم بتطوير النظام الصحي بكل قطاعاته وان يتم تعديل الأنظمة الخاصة بأطباء وزارة الصحة ليس في مستشفى الأمير حمزة فقط.
ومن جانبه نفى الناطق الإعلامي بوزارة الصحة حاتم الازرعي أن يكون النظام المقر لمستشفى الأمير حمزة هو بداية لخصخصة مستشفيات القطاع العام مشيراً إلى عدم صحة هذه الأقاويل . وأشار الازرعي إلى أن النظام الجديد جاء ليطور الخدمة التي يقدمها المستشفى وتأهيله فنياً وإدارياً ليشمل غير المؤمنين مقابل أجور مادية سيتم الإعلان عنها لاحقاً وقال أن النظام الجديد يعطي مجلس إدارة المستشفى مرونة من حيث التعيينات في حال اقتضت الحاجة إلى التعيين الفوري لكنه لم ينكر أن مستشفى الأمير حمزة سيكون نقطة انطلاق لتعمم التجربة فيما بعد على مستشفيات الصحة.
الدكتور ياسين هياجنة في مدونته كان له رأي أخر حيث رأي أن مستشفي الأمير حمزة يمثل - وهو أحدث المستشفيات الأردنية - الأمل في مستقبل الرعاية العلاجية الحكومية في الأردن. حيث يمتلك البنية والحداثة المعمارية اللتان تتيحان له أن يكون قادراً على تقديم خدمات علاجية ذات جودة عالية من ذلك النوع الذي يرضى متطلبات مؤمني الدرجة الأولى من كبار موظفي الدولة وغيرهم. بل وتمكنه من التفكير في الحصول على حصة من سوق الأردن للسياحة العلاجية. وهما أمران ممكنان لو تمت إدارة المستشفى من قبل إداريين متخصصين عالمين ومحفزين ومزودين بالصلاحيات والموارد الضرورية للنهوض بأداء المستشفى بالاعتماد على منظومة بشرية من أطباء وممرضين وغيرهم محفزين بشكل يضمن تقديمهم أفضل أدائهم ، وبحيث تتناغم أهداف المستشفى مع أهداف العاملين فيه. ولكن هذا لم يحدث وتمت إدارة المستشفى بالطرق التقليدية المتعارف عليها وتم تنظيم العمل فيه بالاستناد إلى نفس التشريعات الناظمة لعمل أي مستشفى ريفي صغير. و أضاف د. ياسين أنه في العام الماضي تمت خصخصة جزء من خدمات الرعاية العلاجية وكان هذا إنتصاراً تاريخياً لأنصار الخصخصة في الرعاية الصحية. وكانت تلك هي الحلقة الأولى في مسلسل تهميش وإلغاء دور المستشفيات الحكومية. حيث بدأ مؤمنو الدرجة الأولى في التأمين الصحي الحكومي بالحصول على الرعاية العلاجية في مستشفيات القطاع الخاص. كان التبرير الذي قدم في وقتها هو عدم مقدرة مستشفيات وزارة الصحة على تقديم الخدمات الفندقية الملائمة لأصحاب الذوات من مؤمني الدرجة الأولى. وبما أن هذا هو التبرير فما كان ليصمد لو نجح مستشفى الأمير حمزة وتمكن من تقديم خدمات ذات جودة وبالتالي فلن تبقى هناك حاجة لإعادة توقيع الاتفاقية مع القطاع الخاص. لقد كان من الضروري للبعض أن يتم إفشال مستشفى الأمير حمزة وعلى كل الصعد وأن يتم تشويه صورته وسمعته وبشكل لا يتيح له التفكير بأن يكون بديلاً أو منافساً لخدمات قطاع معين وبالتالي تستمر حاجة الحكومة لخدمات ذاك القطاع. إفشال مستشفى الأمير حمزة ضرورة عند بعض الجهات لاثبات أن وزارة الصحة غير قادرة على تقديم رعاية علاجية ذات جودة وبالتالي فهو قتل لكل حلم جميل واجهاض مسبق لكل مسعى لتعزيز دور الحكومة في تقديم الرعاية العلاجية ، وعليه يتم التأسيس لمرحلة جديدة لا يكون للقطاع العام دور فيها لتقديم الرعاية العلاجية. وبالتالي تفرغ الساحة وبشكل تدريجي من أية منافسة لمصلحة قطاع معين لتقديم هذه الخدمات للمرضى الأردنيين والمرضى السياح وبشكل احتكاري تتحكم بالسعر فيه كما تشاء ، وبحيث يصبح الحصول على الرعاية العلاجية في النهاية حلم صعب المنال للراكضين وراء رغيف الخبز.
والتساؤل هل الأمر بالفعل هو محاولة من وزارة الصحة الأردنية لتطوير خدماتها أم خطوة علي طريق الخصخصة ؟
في إعتقادي من قراءة لمحاولة خصخصة قطاع الصحة في دول آخري مثل مصر وسوريا نجد أن كل المحاولات بدأت بتطوير مستشفيات تابعة للدولة ، وخطوات مشابهة قدمت علي أنها تطوير لمستشفيات حكومية ، ثم أتضح بعد ذلك أنها بدايات لخصخصة قطاع الصحة ، وإسناد الخدمات الصحية للقطاع الخاص الذي تروج هذه الحكومات إلي أنه اكفأ ، وبالتدريج تنسحب الدولة وتترك كل شئ لأليات السوق والقطاع الخاص . وهذا ما سيحدث في الأردن ، وذلك ما دعا مدونة باتر وردم إلي أن الولايات المتحدة المدافع الصلب عن الليبرالية الجديدة ، ومنبع إجماع واشنطن تلجأ الأن لتدخل الدولة في الإقتصاد لحمايتها من الأزمة المالية الطاحنة التي قادتها إليها سياسات الليبرالية الجديدة ، ودعت المدونة أن تستفيد مما يحدث في أمريكا من أجراءات حكومية مستحدثة ' أو بالأدق ألا تنسحب الدولة بشكل كامل من القطاعات اقتصادية ومن تقديم خدماتها ، وخاصة بالطبع في قطاع الصحة .