يمثل العام 2008 الذكرى الستين لولادة أكثر وثائق حقوق الإنسان أهمية، وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي تم تبنيه من جانب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في 10 ديسمبر/كانون الأول 1948. وبدأت الفكرة كمبادرة من الحكومات، ولكنها اليوم الهدف المشترك للبشر في كل مكان. وفي الفترة التي تشهد التحضير للاحتفال بالذكرى الستين، ذكرت منظمة العفو الدولية أنها بصدد تنظيم سلسلة من الأنشطة للاحتفال بالإعلان العالمي – وستركز على ما يتوجب عمله لجعل ذاك الوعد حقيقة كونية لحقوق الإنسان غير القابلة للتجزؤ مؤكدة أن لكل شخص فرد حقوقه – وهذا هو جوهر إنسانيتنا. وعلى كل منا واجبٌ في أن ينهض، ليس فحسب من أجل حقوقه هو شخصياً، وإنما أيضاً من أجل حقوق الآخرين.
وعلي هامش الاحتفال بالذكري الستون للإعلان العالمي لحقوق الإنسان قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة – الهيئة الخاصة بتقييم أوضاع حقوق الإنسان – بالاستعراض الدوري الشامل لأوضاع حقوق الإنسان . والجدير بالذكر أن الاستعراض الدوري الشامل في مجال حقوق الإنسان سوف يشمل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بمعدل ثماني وأربعين دولة كل عام، ومن ضمن الدول العربية جاءت دولة الإمارات ضمن الست عشر دولة التي تم اختيارها بطريقة القرعة حيث عرضت تقريرها الوطني في الجولة الثالثة من الاستعراض في الفترة من 1-12 ديسمبر 2008. وقد ذكرت مدونة مواطن إماراتي مغلوب علي أمره أن جلسة مناقشة تقرير دولة الإمارات عقدت في الرابع من شهر ديسمبر الجاري أمام مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وقد ألقى الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، كلمة الإمارات حول التقرير، وقد جاء فيها سرد لطريقة إعداد التقرير الذي تم إشراك بعض منظمات المجتمع المدني فيه، ثم انتقل بعدها للحديث حول ممارسات حقوق الإنسان التي بين الدكتور قرقاش أنها تتماشى مع القوانين الدولية ذات الصلة من ناحية، و تحافظ على تقاليد الدولة و نهجها الإسلامي من ناحية أخرى. و أكد الدكتور قرقاش وزير الخارجية بدولة الإمارات على احترام الإمارات لحقوق الإنسان في الإمارات نابع من قيم الإمارات العميقة في هذا الجانب التي تعير حقوق الإنسان القدر الأكبر من الاهتمام، حيث تحقق الإمارات العدالة الاجتماعية لكل مواطنيها، و تضمن أمنهم و سلامتهم كما أنها تمنع الاعتقال التعسفي في حقهم. و تطرقت كلمة الدكتور قرقاش إلى قضايا التعليم، و المرأة ورعاية الأطفال و الرعاية الاجتماعية، وذكر مبادرات منها إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، و توفير الإسكان بالمجان أو بإعانة، و توفير إعانات اجتماعية تقارب الستمائة مليون دولار لمختلف قطاعات المجتمع، وعلى رأسهم المطلقات و الأرامل و ذوي الاحتياجات الخاصة. و تطرق حديث الدكتور قرقاش إلى التحديث السياسي في الإمارات و الذي ابتدأ مع انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي و وصول المرأة إلى البرلمان عن طريق الانتخاب، كما أشار في حديثة إلى سلسلة من التعديلات الدستورية التي أطلقت مؤخرا، والتي قال عنها الدكتور قرقاش، أنها تصب في مسيرة التحديث السياسي و النهج الثابت التي تتبعه الإمارات في هذا الجانب و الذي يتناسب مع خصوصيتها السياسية. وقد تطرق الوزير في كلمته أيضا إلى ملف العمالة في الدولة، و الذي كان محط انتقادات دولية سابقة، وبين أن مجتمع الإمارات يفخر بانفتاحه على جميع الثقافات، و قد قامت الإمارات بالعديد من الإجراءات لضمان حقوق العمال، و التي اعتبرها الدكتور قرقاش ثقافة أخلاقية قبل كل شيء. ثم تطرق في حديثه إلى قضية الاتجار بالبشر و إنجازات الإمارات، التي كانت محط إشادة دولية، في هذا الجانب.
وكما هو متبع في آلية المتابعة الشاملة طرحت الدول الأعضاء بعض التوصيات لتحسين وضع حقوق الإنسان في دولة الأمارات ، ورصدت مدونة مواطن إماراتي العديد من التوصيات منها :
- المملكة المتحدة (بريطانيا): توصية بالمزيد من الإجراءات لتسحين أوضاع العمالة الوافدة، و المزيد من الإجراءات للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، و أشراك المجمتع المدني في مرحلة تنفيذ التوصيات بعد إقرارها.
- قطر: توصية بتجديد قانون الإعلام مع الاخذ في الإعتبار التطورات المستجدة في مجال الحريات. - اليمن و جيبوتي: توصية بإصدار قانون لحماية الطفل. - فنلندا: توصية بالتصديق على المعاهدات الرئيسية المعنية بحقوق الإنسان.
- فرنسا: توصيات بإتخاذ خطوات جدية و ملموسة للحد من معوقات حرية لتعبير و حرية الصحافة، و السماح بالسماح بإنشاء النقابات و الأحزاب السياسية و الجمعيات، و التعليق الإختياري لعقوبة الإعدام، و التصديق على المعاهدة الدولية لحماية الأشخاص من الإختفاء القسري. - ألمانيا: توصية بتعديل قانون الجنسية ليسمح للمواطنة المتزوجة من غير مواطن بحق إعطاء جنسية الدولة لأطفالها كما هو معمول به للرجل المواطن المتزوج من غير مواطنة.
- إيطاليا: توصيات بتعديل القوانين المعنية لتجميد عقوبة الإعدام ثم إلغاؤها بما يتماشى مع الأعراف الدولية، و تعديل التشريعات ذات الصلة لتتماشى مع المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية (حرية الفكر و الوجدان و الدين)، و تعزيز الجهود لتحسين أوضاع العمالة المهاجرة، لا سيما النساء العاملات في المنازل، و حمايتهم من المعاملة العنصرية و التمييزية. - المكسيك: توصيات بسحب الإمارات لتحفظاتها على إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة و خاصة تلك المتعلقة بالجنسية و الزواج، و وضع التدابير اللازمة لضمان وصول العمل الأجانب إلى جميع أنواع المحاكم.
- النرويج: توصيات بالبناء على قرار من حبس الصحفيين بما يتعلق بعملهم و أصدار قانون عصري للمطبوعات و النشر، و إصدار قوانين جديدة تؤكد على حرية التعبير و التجمعات و حق إنشاء الإتحادات بما يتماشى مع القوانين الدولية المعنية بحقوق الإنسان، و الإستمرار برفع الحجب عن مواقع الإنترنت (وعجم الحجب كما حدث لمدونة مجرد إنسان) بهدف الوصول بالتشريعات المنظمة لهذه العملية بما يتوائم مع القوانين الدولية، و توصيات بخصوص حماية و احترام حقوق الإنسان، و حماية المدافعين عن حقوق الإنسان و حقهم في إنشاء الجمعيات بما يتواءم مع الإعلان الخاص بالمدافعي عن حقوق الإنسان، و تضمين حق التجمع و التفاوض الجماعي و الإضرابات للعمال في القانون، وشمل جميع فئات العمال كعمال المنازل و المزارعين ضمن قانون العمل و العمل على توعية الجميع به.
- كندا: توصيات بتطبق المادة الثانية من إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة و التي تمنع التمييز بين الرجل و المرأةفي القوانين و التشريعات ذات الصلة، و زيادة عدد المفتشين للوقوف على ضمان حصول العمال الأحانب على السكن الملائم و تنفيذ قانون العمل، و التصديق على الإتفاقيات الرئيسية لمنظمة العمل الدولية وعلى وجه الخصوص الإتفاقيتان 87 و 98 والإتفاقية الخاصة بحماية جميع العمال المهاجرين و عائلاتهم، و دعم و تعزيز حرية التعبير للمنظمات الغير حكومية بتعديل القوانين التي تحد من عملها، و إلغاء كل ما من شأنه أن يعرض عملهم للعقوبات الإدارية أو القضائية، كما أوصت بمراجعة مشروع قانون المطبوعات و النشر الجديد بما يتوائم مع المادة 19 من من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
- البرازيل: توصيات بالتصديق على العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق السياسية و المدنية و الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و تعليق عقوبة الإعدام بهدف إلغائها.
وقد قام الوفد الرسمي الإماراتي بتقديم بعض الردود علي التوصيات موضحا ما أعتبره تقدم إماراتي في معالجة العديد من القضايا مثل قضايا العمالة الوافدة من الخارج . وأضاف ممثلو الوفد بأن بعض التوصيات التي قدمتها عدد من الدول والتي تخالف في تطبيقها أحكام الدستور والقوانين الوطنية ومبادئ الشريعة الإسلامية تم التحفظ عليها التزاما من الدولة بمبادئها الدستورية وشريعتها الغراء وقيمها الاجتماعية وموروثها الثقافي. ورفضت الإمارات مثلها مثل أي دولة عربية معادية لحق الرأي والتعبير ، وحقوق النشر والصحافة رفضا باتا كما ذكرت مدونة مواطن إماراتي التوصية المقدمة من دولة كندا و الخاصة بمشروع تنظيم الأنشطة الإعلامية، والتي جاء فيها " مراجعة مشروع قانون المطبوعات و النشر الجديد بما يتوائم مع المادة 19 من من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ". وقد جاءت هذه التوصية في الفقرة 71 (e) من التقرير الذي تم اعتماده دوليا التاسع من ديسمبر لسنة 2008. و تنص المادة 19 من العهد الدولي المذكور على التالي: "1. لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة. 2. لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها. 3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية: (أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، (ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة." يذكر أن مشروع مشروع قانون تنظيم الأنشطة الإعلامية المقترح قد تمت مناقشته في الخامس و العشرين من شهر سبتمبر لهذه السنة خلال ندوة أقيمن في نادي دبي للصحافة ، و قد أثار استياء العديد من الإعلاميين و القانونيين و النشطاء و المهتمين، و الذين اعتبروه تراجعا حقيقا في التشريعات المنظمة لحقل المطبوعات و النشر. و يضع مشروع القانون الجديد العديد من العراقيل أمام ممارسة المهنة، حيث يتطلب الحصول على رخصة مهنية لإصدار صحيفة أو محطة بث تلفيزيوني او إذاعي قرارا من مجلس الوزراء، كما أنه يعطي المجلس الوطني للإعلام (جهة حكومية) صلاحيات و اسعة للتحكم في مصير الممارسة الإعلامية في الدولة. ومن تلك الصلاحيات الممنوحة للمجلس، إلغاء التراخيص الممنوحة للصحف في بعض الحالات، و وضع القواعد و النظم التي توفر البيئة المناسبة لأداء العمل الإعلامي "على الوجه المطلوب"، و وضع الضوابط اللازمة لمتابعة محتوى البث المرئي و المسموع و أية وسيلة نشر أخرى، و إصدار إذونات (تصاريح) الطباعة حسب الشروط التي يقرها المجلس، و سلطة منع المطبوعات من دخول الدولة و غيرها الصلاحيات. كما يغلظ القانون المقترح العقوبات المفروضة على الصحافة و التي تصل إلى مليون دهم إماراتي (الدولار يعادل 3.67 درهم) في حالة التعرض لشخص رئيس الدولة أو نائبة أو أعضاء المجلس الأعلى أو أولياء العهود أو نوابهم، كما تصل العقوبات إلى نصف مليون درهم في حالات تلقي و ساءل الإعلام دعما أو تبرعا خارجيا دون إذن من المجلس، أو في حالة النشر بسوء نية، أو نشر ما من شأنه أن يسيء لسمعة الدولة أو يضر بالاقتصاد الوطني و غيرها. و يضع مشروع القانون الجديد صلاحية إلغاء الصحف لدى ثلاث جهات، هي مجلس الوزراء، و المحاكم و المجلس الوطني للإعلام.
وبالرغم من اعتراض الإمارات علي بعض التوصيات وإصرارها علي التمسك بقانون المطبوعات الذي ينتهك العديد من الحقوق الواردة في نصوص العهد العالمي لحقوق الإنسان فقد أقر مجلس حقوق الإنسان في جلسته برئاسة سعادة السفيرالبيرتو ديمونت المندوب الدائم للأرجنتين لدى المقر الأوربي للأمم المتحدة تقرير الترويكا "المقرر" بشأن التقرير الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة في الجلسة الخاصة التي عقدت لذلك .