بعد وصول البرادعي : هل تكون القاهرة علي أعتاب حراك سياسي

 

      تشهد القاهرة في تلك الفترة حراكا سياسيا من نوع جديد ، فقد عاد إلي القاهرة بتاريخ 19 فبراير الحالي السيد محمد البرادعي الرئيس السابق لوكالة الطاقة الذرية والحاصل علي جائزة نوبل للسلام لعام 2005 . وتعود أهمية عودة البرادعي متزامنة مع الإعلان عن إ ستعداده الترشح لللإنتخابات الرئاسية القادمة الأمر الذي انعش أمال ألاف المصريين في وجود إمكانية وجود بديل للنظام القائم بعد أن أحوالهم المعيشية إلي نفق مظلم .

     وتشهد القاهرة منذ زمن ليس بالقصير نقاشا حادا حول إحتمال توريث الحكم من مبارك الأب إلي جمال الأبن الذي يشغل حيزا مرموقا داخل دوائر السلطة المصرية ، ذلك الأمر الذي حركات التغيير التي أشعلت الحياة السياسية المصرية في 2005 & 2006 ، وأصطدمت بشدة بالسلطة مفرزة مناخا مغايرا داخل القاهرة ، ثم سرعان ما أنطفئت جذوتها بعد ضربات من الدولة ، وبعد تزوير الإستفتاء علي الدستور المصري بإدخال المادة 76 & 77 اللتان فصلا الترشيح لإنتخابات علي مقاس الحزب الحزب الوطني . وتدهورت أوضاع تلك الحركة بعد الإنتخابات الرئاسية والإنتهاكات التي تعرض لها المرشح أيمن نور التي وضعت تلك الحركة ثقلها وراءه .

    و في أعقاب ذلك دخلت الحياة السياسية المصرية في نفق راكد حتي إقتراب موعد الإنتخابات الرئاسة الحالي حيث أندفع المهتمون في البحث عن شخصية ذات ثقل فكري ودولي وتحظي بإحترام علي المستوي الدولي ، وتوافرت تلك الصفات في العديد من الشخصيات إلي أن أعلن السيد محمد البرادعي في حوار له مع قناة cnn في نوفمبر 2009 عن عدم ممانعته من الترشح كرئيس لجمهورية مصر العربية في الإنتخابات الرئاسية القادمة مصر مشترطًا لإعلان قراره بشكل قاطع وجود "ضمانات مكتوبة" حول نزاهة وحرية العملية الانتخابية. وقال البرادعي في مقابلة تليفزيونية أجراها مع شبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية: "سأدرس إمكانية الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية قي مصر إذا وجدت ضمانات مكتوبة بأن العملية الانتخابية ستكون حرة ونزيهة". جاء إعلان البرادعي خضم جدل سياسي حول انتخابات رياسة الجمهورية المستحقة في مصر سنة 2011 والعوائق الدستورية الموضوعة أمام المترشحين بموجب المادة 76 المعدّلة في 2007 وتكهنات حول تصعيد جمال ابن الرئيس حسني مبارك، و أثار ردود أفعال متباينة في الشارع السياسى المصري، حيث اعتبره البعض رسالة محرجة للنظام من شخصية ذات ثقل دولي مفادها أن عملية تداول السلطة قي مصر تحتاج إلى إعادة نظر. بينما رأى آخرون أن تصريح البرادعي يعد مسعى حقيقيا لفتح آفاق جديدة للحياة السياسية "المخنوقة" قي مصر. حسب وصفه. تلقفت الحياة السياسية المخنوقة وقوي المعارضة وعلي رأسها حزب الوفد وقوى سياسية معارضة أخرى إعلان البرادعي أعلنت أنها مستعدة لمساندة البرادعي إن قرر الترشُّح. وفور انتهاء فترة رئاسته للوكالة الدولية للطاقة الذرية قي ديسمبر 2009، عن عزمه الترشح لرئاسة الجمهورية قي الأنتخابات المقبلة 2011 ولكن بشروط إعادة تعديل المواد 76 و77 و88 الدستور المصري ليسمح لأي مصري بخوض الأنتخابات الرئاسية كما طالب ببعض التعهدات الكتابية لضمان نزاهة العملية الانتخابية وبعض الضمانات مثل المراقبة القضائية والدولية، وقد رحبت أحزاب وتيارات المعارضة المختلفة بهذا القرار. وعرض حزب الوفد علي البرادعي الإنضمام للحزب وشغل أحد مناصبه القيادية حتي يتسني له الترشح للإنتخابات القادمة وفقا للدستور ولكنه رفض متعجبا من الإنضمام لأحزاب معارضة تم تاسيسها بموافقة السلطة كي تعارض السلطة ، مؤكدا كذلك أن ذلك الوضع لابد من تغييره .

    وبمجرد إظهار البرادعي لنيته للترشح تعرض لهجوم شرس من الصحف المصرية المقربة من الحكومة على خلفية البيان الذي أصدره و تحدث فيه عما وُصف بشروط لترشيح نفسه فى الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2011 فى مصر حيث وصفت صحيفة الجمهورية البرادعى بأنه عديم الخبرة السياسية ومزدوج الجنسية وبالتالى لا يصلح للترشح للرئاسة دستوريا ، كما قال رئيس تحرير صحيفة الأهرام إن البرادعى بعيد عن الواقع المصرى ووصفت ما قاله بالأوهام . و لكن علي  جانب أخر شهد خبر ترشح البرادعي تأييد شديدا من كل القوى المستقلة التي تأمل في إنتزاع مصر من ذلك الوضع المهين الذي ترزح تحت وطأته ، وتكونت الحملة المستقلة لترشيح البرادعي رئيسا للجمهورية ، ومجموعات علي موقع الفيس بوك لدعم ترشيحه . وتجسد ذلك الإهتمام في إستقبال الأبطال الذي حظي به البرادعي بمطار القاهرة لحظة وصوله من الألاف من المصريين من القوي المهتمة بالشأن العام ومن مواطنين عاديين يحلمون بغد أفضل .

    وتبقي العقبة التي تواجه البرادعي هي الدستور المصري وخاصة المواد التي تنظم عملية الترشيح حيث تنص القوانين الانتخابية الحالية في مصر على ضرورة أن يكون المرشح للرئاسة عضوا في قيادة الحزب لمدة سنة على الأقل وأن يكون مضى على تأسيس الحزب خمس سنوات على الأقل. كما ينبغي على المستقلين الراغبين في الترشح الحصول على تأييد 250 سياسي، من ضمنهم 65 من أعضاء مجلس النواب على الأقل، و25 من الغرفة العليا للبرلمان و10 أعضاء المجالس البلدية، علما بأن كل هذه المؤسسات تخضع لسيطرة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. وهذا ما فطن إليه البرادعي في حواراته ولقاءاته مع وسائل الإعلام المصرية حيث صرح البرادعي انه يريد ان يكون "وسيلة للتغيير"، مضيفا "انني مستعد ان اخوض غمار السياسة المصرية شريطة ان تكون هناك انتخابات نزيهة، وهذه بديهيات". وتابع "الخطوة الاولى التي يجب ان نقوم بها هي تعديل بعض مواد الدستور لكي يكون الباب مفتوحا امامي وامام غيري للترشح" لانتخابات الرئاسة . وأكد البرادعي أن الدستور المصري بائس ومهلهل وأن مصر تشغل مستوي متدني في ترتيب الأمم المتحدة في مستويات المعيشة والصحة والتعليم ، وأن 42% من الشعب المصري يعيش علي دخل يبلغ خمسة جنيهات يوميا ، وأكد البرادعي أن مصر في حاجة إلي حرية وديمقراطية وعدالة إجتماعية . هذا وتنظم العديد من القوي السياسية المستقلة لقاءات مع البراداعي في الأيام القليلة القادمة لتنسيق الخطوات المزمع القيام بها .

    والتساؤل الذي يحضرني الأن هو نفس التساؤل الذي صاغه الكاتب محمد صلاح بجريدة الحياة الدولية " ماذا بعد الضجة التي أعقبت إعلان البرادعي رغبته في الترشح في حال تحقيق شروطه ورد الفعل على وصوله إلى مصر والاستقبال الحاشد له من جانب مناصريه؟ ليس من السهل تصور استجابة نظام الحكم لطلبات وشروط البرادعي، ومن المستبعد أن تتشكل لجان وتعقد اجتماعات للنظر في اللائحة التي حددها البرادعي وتتضمن تغييرات في الدستور والقوانين قبل موعد الانتخابات الرئاسية. وكل ردود الفعل التي صدرت عن أقطاب الحزب الوطني صبت في اتجاه الإشادة بالمناخ الذي سمح للبرادعي أن يعلن رغبته في الترشح وطرح الشروط والتفاف بعض المقربين حوله، لكن من دون الترحيب أو حتى الوعد بالنظر في الشروط أو الحديث عن أي نية لتعديل الدستور مجدداً قبل التنافس الرئاسي. وعلى ذلك فإن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستجرى قبل نهاية العام المقبل وفقاً للقواعد المعمول بها حالياً من دون أي تغيير. فماذا سيفعل البرادعي وأنصاره؟ يحتاج الأمر إلى جهود كبيرة تتجاوز السباق للحاق بموعد التنافس الرئاسي، ويبدو أن هذا الأمر كان حاضراً عند البرادعي نفسه الذي تحدث عن الرغبة في التغيير أكثر من حديثه عن شروطه ورفض الحكم الاستجابة لها، ويحتاج الأمر أيضاً إلى بقاء البرادعي في مصر والاستقرار فيها وليس اعتبارها محطة أو موضعاً للإجازات والعطلات والزيارات، كما يحتاج الأمر إلى فرز سياسي للفصل بين عداء بعض الأشخاص والقوى السياسية لنظام الحكم وبين الرغبة في التغيير وتحقيق وترسيخ ديموقراطية حقيقية، فالمشهد السياسي المصري ظهر فيه بوضوح أن هناك من سعى إلى ركوب «موجة البرادعي» للانتقام من النظام أو نكاية فيه. والمؤكد أن عملية سياسية كبيرة يجب أن تخرج عن إطار كهذا. "