الأمن المصري في حماية الديكتاتورية

 

        الأمن المصري - كمعبر عن النظام المصري بالمجمل وذراعه الباطشة – ضد حرية الإبداع وحرية الراي ، وهذه المقولة لا تحتاج إلي برهان قوي ، فمصادرات الكتب والروايات والقبض علي مدونين ومنع قصائد شعر ، ومحاكمة كتب بسبب إبداعهم الذي لم يلق قبول من جانب النظام الحاكم والأليات الأخلاقية التي يسعي – بالتحالف وفي ذات الوقت تحت ضغط التيارات المتطرفة – لتثبيتها بالمجتمع وإجبار الجميع علي إتباعها واضحة بشكل جلي ومتكررة ، ومن النادر أن تمر فترة طويلة دون مصادرات من هذا القبيل ،  وفي الواقعة التي نحن بصددها مد جهاز الأمن المصري ذراعه إلي خارج الحدود لحماية الزعيم الليبي معمر القذافي - الذي يحكم منذ أكثر من أربعين عاما – من نقد موجه لإفكاره ونمط حكمه ، وذلك في عمل أدبي نشر بالقاهرة ، حيث ذكرت كل من مدونة دلتا اليوم  ، ومدونة كلمتي  ، وموقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان  ، وكالة رويترز  ، وموقع الجزيرة ، وموقع أخوان أون لاين  أن مباحث أمن الدولة المصرية أقتحمت دار وعد للنشر بحي شبرا بالقاهرة وصادرت نسخ من رواية الكاتب النوبي الكبير إدريس علي " الزعيم يحلق شعره " والتي تتناول بالنقد أسلوب حكم الزعيم معمر القذافي من واقع الفترة التي عاشها الكاتب بليبيا في الثمانينات . وتم نقل الكاتب لقسم شبرا حيث صرح أنه قد عومل معاملة المجرمين ثم تم نقله لمباحث أمن الدولة التي قررت الإفراج عنه ، ومن المنتظر – كما صرح المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إستدعاء الكاتب أيضا للنيابة .

    وأوضح «على»  أن الرواية هى الجزء الثالث من سيرته الذاتية وتعبر عن الفترة التى عاشها فى ليبيا، وكانت العلاقات متوترة بينها وبين مصر، مشيراً إلى أنه اختلط بعدد كبير من الأسر الليبية وكتب تجربته هناك دون الإساءة للرئيس معمر القذافى أو إلى أى زعيم عربى، ولكنه انتقد أفكاره باعتبارها مطروحة للنقاش، واصفاً القذافى بأنه زعيم يثير الصخب على الساحة السياسية وأفكاره متناقضة. وقال على: «حاولت نشر الرواية فى عدة دور نشر حكومية لكننى فشلت وحذرت صديقى الجميلى قبل النشر لكنه أصر باعتبار أن الرواية لا تتعرض للمحاذير المعروفة فى مصر، إلا أننى فوجئت به يخبرنى أنه تم القبض عليه»، ووصف «على» مصادرة الرواية بأنها «كرسى فى الكلب» أفسد الفرحة بمعرض الكتاب، متسائلاً: ما علاقة الأمن المصرى برواية تدور أحداثها خارج مصر؟

    وقال رئيس اتحاد كتاب مصر محمد سلماوي الأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء العرب تعليقا علي ما حدث :" إن محامي اتحاد كتاب مصر سيحضر التحقيق مع الناشر مساء اليوم أمام النيابة ". وأضاف أنه اتصل بمسئولين في جهاز أمن الدولة وأبلغهم أن هذا الإجراء "مسيء لمصر" وبخاصة خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب المقام حاليا فأبلغوه أنهم لم يصادروا الرواية في المعرض وإنما "صادروها في دار النشر". وتابع سلماوي أنه أبلغهم أن المؤلف والناشر عضوان في اتحاد الكتاب و" أن المصادرة محاولة لتصوير مصر على أنها دولة بوليسية عندنا قوانين تحول دون المصادرة إلا بعد صدور حكم قضائي .

    ومن جانب أخر نشب خلاف بين نائب رئيس الهيئة العامة للكتاب الكاتب الصحفي حلمي نمنم الذي أكد أن رواية «الزعيم يحلق رأسه»، للكاتب المصري إدريس علي لم تصادر داخل معرض القاهرة الدولي للكتاب. وقال النمنم في تصريح صحافي  إن دار «وعد» ليست بين دور النشر المشاركة في معرض القاهرة للكتاب بجناح مستقل، وأعمالها موزعة على أجنحة دور نشر أخرى، «وهي ما إن سمعت خبر مصادرة الرواية حتى قامت بتجميع النسخ الموجودة بحوزتها وأخفتها حرصاً على تجنب المشاكل». وقال النمنم: «إن مداهمة أمن الدولة للدار وتحفظها على نسخ الرواية الموجودة لم يكن على سبيل المصادرة، وإنما بناء على قضية مرفوعة أمام نيابة أمن الدولة، وبناء عليه تم التحفظ على الرواية واستجواب صاحب الدار». وأكد النمنم أن «أمن الدولة لم يدخل المعرض ولن يدخله، وأن هيئة الكتاب لن تسمح بأي مصادرة داخل أروقة المعرض .   في حين قال الناشر جميلى أحمد شحاتة نقلا عن موقع أخبار ليبيا ، إن تصريحات حلمى النمنم نائب رئيس الهيئة كاذبة، وأن رواية "الزعيم يحلق شعره" تمت مصادرتها من معرض الكتاب، ولم يكن هناك قضية سابقة مرفوعة ضدها وضد الدار من قبل.

   ومن جانبها ، وبعد إعرابها عن إستنكارها الشديد لتصرف وسلوك أجهزة الأمن قالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أن هذه الممارسة البوليسية لجهاز أمن الدولة ،  تأتي كصورة كربونيه من واقعة إجبار أجهزة امن الدولة نفسها لمدونة شابة من الأسكندرية في عام 2006 على مسح تدوينه تناولت بالنقد الرئيس الليبي ، وتهديدها بالاعتقال اذا اتصلت بمنظمات حقوق الإنسان أو الصحافة وأبلغتهم بما حدث معها ، مما جعل المدونة الشابة تتوقف تماما عن التدوين. ومن الواضح أن إقتحام دار النشر وإعتقال مديرها جاء كمجاملة وعربونا للود من جهاز أمن الدولة للعقيد القمعي ، قبيل زيارة الرئيس جسني مبارك لليبيا ، بغض النظر عن قانونية هذا الاجراء البوليسي من عدمه ، حيث دأب جهاز أمن الدولة على الاستهتار بالقانون ، لاسيما في ظل منهج الافلات من العقاب المنتشر في مصر.  و  أكدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أنه ما من مادة في القانون تمنع من تناول رؤساء الدول أو حتى إنتقادهم ، فضلا عن أن المصادرة مممنوعة قانونا على جهة الإدارة ، وتستوجب قرار قضائي واضح الأسباب بما لا يهدر حرية التعبير. واشارت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إلى رفضها التام لمعاملة الأدباء والناشرين بهذا الشكل المهين ، مجاملة للرئيس الليبي ، وأن يتحول هذا الجهاز الأمني لزراع العقيد في البطش بكل من ينتقده ، وألا يساهم في نقل الخبرة الليبية في قمع حرية التعبير وحرية الصحافة إلى مصر. كما أعلنت الشبكة العربية أنها سوف تقدم الدعم القانوني والقضائي للناشر والأديب الكبير إدريس على في مواجهة هذه الممارسات البوليسية لجهاز أمن الدولة المصري .