كرة القدم تتحول إلي كراهية جامحة

 

      خلفت مباراة كرة القدم القدم بين مصر والجزائر جروحا عميقة بين الشعبين لن تندمل بسهولة ، وتنذر بكوارث أخري في حالة إلتقاء الشعبين مرة أخري . وفي الحقيقة حاولت لدي مناقشة هذا الحدث أن أكون موضوعيا ولكن السلوك الإعلامي ، وسلوك المشجعين الجزائريين بعد مباراة السودان لم يجعل للأصوات العاقلة والموضوعية أي موطئ قدم في مناقشة الأزمة ، بالفعل لقد فاق الحدود ، أنظر علي سبيل المثال عماوين المقالات بالصحافة الجزائرية :

     " هذه رموزنا نحن أبناء جميلة فإين رموزكم أبناء فيفي عبده ؟ " ذلك العنوان الذى أوردته مدونة أحمد سليمان المصرية  ، و " كلاب مصر تنبح علي الجزائر "  ، وذلك المقال كانت المانشيت الرئيسي لجريدة أخبار اليوم الجزائرية التي جاء بها إهانة بالغة للمصريين المحتجين على اعتداءات مشجعى الجزائر على مشجعى منتخب مصر عقب المباراة الفاصلة فى السودان، حيث وصفت المحتجين بأنهم "كلاب مصر التى تنبح على الجزائر". وأضافت الصحيفة فى الموضوع الذى جاء مليئا بالبذاءات تجاه الشعب المصرى "شنت بعض الكلاب المصرية المسعورة، حملة نباح شديدة على الجزائر، بعد أن لقن أبطال بلد المليون ونصف شهيد درسا فى الاستبسال والبطولة والرجولة للاعبى دولة حسنى مبارك وحرمه سوزان وابنيهما المدللين علاء وجمال"، واستمرت الصحيفة فى غيها قائلة: "لم تجد كلاب مصر غير النباح على قافلة الجزائر". واستعانت الصحيفة الجزائرية فى تقريرها بمن يسمى أبو جرة السلطانى، رئيس حركة مجتمع السلم، والذى قال إنه كان شاهد عيان فى السودان قائلا: "إن المصريين أرادوها حربا ونحن لها" كما استعانت بمن يدعى "على بوخزنى" رئيس حركة الوفاق الوطنى، والذى أعرب عن استيائه مما وصفه بالانحطاط والانبطاح المصرى، ومحاولة مصر ضرب الجزائر وتقديمها لأعداء الأمة العربية والإسلامية على طبق من ذهب .وانتقلت الصحيفة للحديث عن ما أسمته موجة الفرح التى سادت السودان بعد تأهل المنتخب الجزائرى للمونديال، قالت: "إن السودانيين والمصريين لم يفهموا شيئا ولم يعرفوا أن الخرطوم هى الولاية رقم 49 فى الجزائر"، وتعاود الهجوم مرة أخرى على المنتخب المصرى وتقول إن محاربى الصحراء يُدخلون المصريين إلى بيوتهم، بعدما اغتال عنتر يحيى لاعب المنتخب الجزائرى أحلام 80 مليون مصرى بهدفه فى شباك الحضرى لتبيت القاهرة ليلة حزينة بعد المباراة، كما وصفت الاتحاد المصرى بأنه " مسكين " .    وكذلك كانت هناك إستغاثات بعض العاملين المصريين بالجزائر لإنقاذهم وذويهم من حصار الجمهور الجزائري ومتعصبيه . 

      ذلك الأمر كان له مردود سلبي داخل مصر والتي تعامل الجميع بداخلها برد فعل أشبه بالقطيعة أو بأن مصر في جو معركة ، حيث وجهت سهام نقد للجزائر ، وأنطلق الألاف للسفارة الجزائرية مطالبين بطرد السفير ، وللحقيقة فقد تصدي الأمن المصري للمتظاهرين وفرقهم . ولكن الأمور إمتدت لتأخذ منحي جديد تمثل في مقاطعة العديد من النقابات الفنية للفنانين والأعمال الفنية الجزائرية ، وقيام بعض الفنانين والفنانات المصريين بإعادة جوائز حصلوا عليها من مهرجان وهران السينمائي للسفارة الجزائرية بالقاهرة منهم ( يسرا – شريف منير – أحمد السقا ) . 

     ولكن ذلك لا ينفي وجود بعض الأصوات العاقلة من الجانبين حيث وقع بعض المثقفين الجزائريين المقيمين بفرنسا بيانا يشيد بالعلاقات المصرية الجزائرية ويؤكد علي وجود وشائج وعلاقات يصعب الفكاك منها ، ومن الجانب المصري علي سبيل المثال كان بيان إتحاد الكتاب المصري  الذي ناشد كل الأطراف ألا يخلطوا فى العلاقات العربية بين الثوابت والمتغيرات، فالخلافات المتغيرة داخل الأمة العربية ما بين دولة وأخرى لا يجب أن تهدد ثوابت العمل العربى المعتمد على التاريخ الواحد والمصير المشترك، إن أدباء وكتاب مصر أعضاء الاتحاد وهم يستشعرون الخطر المتربص بالأمة العربية إنما يحذرون من الانسياق إلى اتخاذ مواقف انفعالية يمكن أن توسع الفجوة بين الشعبين، لأن الصراع والشقاق بين مصر والجزائر لا يخدم سوى أعداء هذه الأمة. وأضاف البيان إن ما يحدث فى فلسطين المحتلة، والعراق، ودارفور، والصومال، وتهديد لبنان، واستمرار الجولان فى أيدى إسرائيل منذ 1967 حتى الآن، والصراع الدائر على أرض اليمن، كل هذا يؤكد أننا لا نحتمل بؤرة جديدة للصراع يخلقها العرب فيما بينهم وبأيديهم . وكذلك كان هناك رد فعل عقلاني ثمثل في بيان إتحاد المدونين الليبين  الذي دعا الطرفين لممارسة أقصى درجات ضبط النفس والعمل حالاً على كف الحملات الإعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة التي وصلت إلى أسوأ درجات الاسفاف بين البلدين ، ونطالب بتغليب لغة الحوار والعقل والترفع عن القذف والشتم .. ونهيب وبكل مانملك من قوة إلى الجميع بتجنب النيل من رموز الدولتين وأعلامهما أو التعرض إلى هذه الرموز بالطريقة التي نراها ونأسف لها على الوسائل الإعلامية ، بل ونطالب بأن تعمل حكومات الدولتين على تجريم كل من يفعل ذلك وأن ينال عقوبته القاسية لأننا نتألم عندما نشاهد هذه المناظر نظراً لما تمثله من قيمة شعبية للشعوب العربية ككل وليس للشعبين العربيين في مصر والجزائر فقط ..إن النيل من هذه الرموز بسوء تصرف لايليق بدولتين عربيتين شقيقتين ،، فماذا تركنا للعدو بالله عليكم..كما ناشد البيان كل الحكماء والعقلاء في العالم العربي على كافة الأصعدة والمستويات الرسمية والشعبية إلى أخذ المبادرات الجادة بالتدخل لإيقاف هذه الحملة الشعواء التي لم تبق نارها شيئاً ولم تذر من قبل الجانبين ونناشد كافة من يعنيهم الأمر في هذه الأمة العربية والإسلامية إلى عدم الوقوف متفرجين مكتوفي الأيدي إزاء هذه الأعمال ،والعمل على وقفها عند حدها ،وعدم التمادي في التصرفات التي لا تولد إلا مزيداً من الكراهية والحقد الذي نخشى أن يتوارثه الأجيال من الشباب في الوقت الذي لانريده إلا أن يربى على الحب بين الأشقاء بالانتماء الحقيقي لمشاعر الأخوة العربية الصادقة. إننا ندعو مرة أخرى وبشدة إلى تحكيم العقل ووأد الفتنة في أرضها والعمل تدريجياً على تخفيف درجة هذا الاحتقان لأننا جميعاً أكبر من فورة أعصاب غير منطقية ناجمة عن مباراة في كرة القدم انتهت في حالها.

      إلي أين ينتهي الأمر ؟ لا احد يعلم فبين تصعيد إعلامي من الطرفين – بدرجات مختلفة – وفشل الدولة المصرية كالعادة في معالجة الأزمات – كما حدث في السودان بعد المباراة – يبدو أن الأمر لا يتعلق بكرة القدم حيث طالت الإنتقادات رموز ، ومواقف تاريخية من كلا الدولتين .