كرة القدم هي معبودة الجماهير كما يطلق عليها المتخصصون والمعلقون الرياضيون ، يعشقها الملايين ، ويحلم ألاف الشباب العربي بأن يكونوا في يوم من الأيام لاعبو كرة قدم . ولكنها في النهاية رياضة تهدف في المقام الأول لتنمية روح المنافسة والتعاون ، وليس لتنمية العداء والكراهية . وما يحدث الأن فيما يتعلق بالمباراة الرتقبة بين مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم ينذر بعواقب وخيمة ستلقي بظلالها السلبية سريعا علي العلاقات بين الشعبين العربيين . و للحقيقة دائما ما تحظي مباريات الدولتين في كرة القدم بالإحتقان الشديد – خاصة من الجانب الجزائري المشهور بحماسه وعصبيته الشديدة – ولكنها لم تصل أبدا للحد الذي وصلت إليه الأن ، إلي الدرجة التي وصلت لتهديد حيوات بشر ، وإصابات ، وتوجيه سباب من طرف لأخر من جانب مسئولين كبار . وتبادل الطرفين الإتهامات ، ففي حين حمل الجانب المصري الصحف الجزائرية ، ورئيس إتحاد كرة القدم الجزائرية مسئولية ذلك التصعيد الخطير ، حمل الجانب الجزائري القنوات الفضائية المصرية ممثلة في دريم ، الحياة ، مودرن سبورت مسئولية نفس التصعيد . ولكن الأمور إتخذت منحي شديد الخطورة حينما إنتقلت من أوساط المسئولين وبرامج الفضائيات إلي أوساط الجماهير العاطلة والمحتقنة لتتجسد في صورة إعتداءات وإشتباكات .
ففي أعقاب إنتهاء مبارة مصر والجزائر التي أقيمت بالقاهرة في 14-11 الحالي والتي إنتهت بفوز مصر بهدفين دون مقابل ، أن سربت الصحف الجزائرية أخبار عن اصابات جسيمة وقتلي في أوساط الجماهير الجزائرية نتجت عن إعتداءات من قبل مشجعين مصريين ، فأندفعت أعداد من الشعب الجزائري – كما ذكرت مدونة راديو محطة مصر - لمهاجمة الشركات المصرية والمصريين المقيمين بالجزائر حيث ذكرت المدونة نقلا عن وسائل الإعلام أن الجماهير الجزائرية حاصرت مقر شركة اوراسكوم تليكيوم المصرية بالجزائر واصابت 7 من العمال المصريين بالحروق الناتجة عن قذفهم بزجاجات المولوتوف ، وحطم المتظاهرون مقر شركة مصر للطيران بالجزائر ، ومازال المصريون بالجزائر حتي الأن في وضع حرج . وليس ببعيد عن التخيل أن يكون هناك رد فعل عنيف من جانب الجماهير المصرية ضد أي مصالح جزائرية إذا أستمر الوضع بهذا الشكل . وأنتقلت الصدامات من مصر والجزائر إلي السودان حيث تقام يوم 18-11 المباراة الفاصلة بين الفريقين التي سيتحدد علي أثرها من سيصعد منهما إلي كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا حيث هاجمت الجماهير الجزائرية أتوبيس الفريق المصري ، والفندق الذي يقيم به الفريق بالعاصمة السودانية الخرطوم. وتجري في الوقت الحالي إتصالات علي أعلي مستوي في الدولتين المصرية والجزائرية لإزالة الإحتقان الحاد ، وإنقاذ العاملين المصريين بالجزائر ، وتهدئة الأوضاع حتي لا يخرج الأمر عن السيطرة ويدفع الشعبان ثمن التهييج الإعلامي . وإنتقدت مدونة مباراة أون لاين الوضع القائم وتبادل الردح الإعلامي قائلة : لماذا نستخدم مباراة في كرة القدم لإشعال حالة من الخصومة والنزاع بين مصر والجزائر دون سبب مفهوم، وقد يدخلنا هذا التعصب في أمور لا يحمد عقباها من أجل مباراة في كرة القدم، حتى وإن كانت ستصل بالفائز بها لكأس العالم، لأنه ليس نهاية المطاف وهناك العديد من الأمور أهم منه كثيرا مثل الوحدة العربية وعدم تفككها ، ولعل منتخبات مثل أنجولا وتوجوا، وصلت إلى كأس العالم ولم تحقق أي شيء يذكر فى البطولة، أي أن الوصول للمونديال مهم، ولكن الأهم هو الوصول بشرف وتحقيق نتائج إيجابية في البطولة دون النظر الى من تأهل لها الأهم ان يكون منتخب عربى . و أبرزت المدونة الفارق بيننا والأتراك أو الأوروبيين بصفة عامة، أنهم يستخدمون الرياضة للبناء، ولكننا نستخدمها للهدم، هم يستخدموها لتقريب الشعوب ونحن نستخدمها للتفرقة بيننا . وساءل الكاتب الجماهير المصرية والجزائرية لماذا تريدون أن تحوّلوا مباراة في كرة القدم إلى معركة بين شعبين عربيين. وطالبت المدونة بالكف عن السب والتعصب .
وفي المدونة الخاصة بنشر أعماله لخص الكاتب الكبير فهمي هويدي الوضع قائلا : هُزمنا جميعا قبل أن تبدأ المباراة بين مصر والجزائر، هزمَنا المتعصبون والجهلاء والحمقى، الذين أثاروا الفتنة وزرعوا بذور البغض والمرارة بين الشعبين بسبب المنافسة الكروية، وهزمَنا إعلام الإثارة الذي ظل همه الأول في الأسابيع الماضية هو تأجيج الفتنة، في غيبة الحد الأدنى من الشعور بالمسؤولية الأخلاقية أو حتى المهنية، وأمام ضجيج الغوغاء ومزايداتهم وإزاء عمليات الشحن المريض التي مارستها الأبواق الإعلامية، فقد تحولت مباراة رياضية إلى معركة عبثية بين الشعبين الشقيقين، قطعت فيها الوشائج الحميمة التي تربط بينهما، وداست الأقدام على القيم النبيلة التي تتخلل نسيج العلاقات التاريخية والنضالية التي جمعتها، وأهدرت الأولويات التي ينبغي أن تحتل مكانها لدى الرأي العام في البلدين.
إنتصرت ثقافة المتعصبين والجهلاء والغوغاء، وضاع صوت العقلاء الواعين، ليس فقط برسالة الرياضة وقيمها الأخلاقية والتربوية، ولكن أيضا بحقيقة ما بين الشعبين المصري والجزائري، وحقيقة الأمة التي ينتمي إليها هؤلاء وهؤلاء، الأمر الذي حوّل حدث المباراة إلى فضيحة مجلجلة، أشعرتني بالاشمئزاز والقرف، حتى تمنيت أن تُلغى المباراة وأن تُشطب كرة القدم على الأقل من المنافسات الرياضية في العالم العربي، طالما أنها صارت سبيلا إلى إشاعة الخصام والكراهية والنقمة بين الشعوب.
ونحن في مدونات كاتب إذا كنا ندافع طوال الوقت و بشدة عن حرية جميع الوسائط الإعلامية في العمل ونندد بقوة ونشجب تدخلات السلطة بالمنع والحجب ، فإننا أيضا ندين بشدة أساليب التهييج الرخيصة التي لجأ الطرفان سواء بالصحف أو بالفضائيات ، وتزييف الحقائق وتلفيق أخبار لم تحدث مثلما إدعت صحف الجزائر وجود قتلي بين المشجعين الجزائريين المصاحبين لبعثة منتخبهم بالقاهرة ، وكادت أن تتسبب في كارثة للعاملين المصريين بالجزائر . إن العمل الإعلامي عمل أخلاقي بالمقام الأول وهدفه الحقيقة وليس التزييف والتهييج .